05‏/12‏/2018

صيف غزة الطويل



تبدأ عطلة الصيف. يعود عمي و عائلته إلى غزة ليجدد تصريح زيارة زوجته و ليسجل أبنه الأخير في هويتها. يهديني عمي ساعة يد كاسيو إليكترونية مصنوعة من البلاستيك. كم فرحت بالساعة. كنت قد فقدت ساعة السيكو المعدنية التي أهداني إياها جدي , بعد أن وجد إسمي مكاناً له في لائحة شرف المتفوقين في امتحان إتمام الدراسة الابتدائية. وضعت الساعة بجوار حنفية المتوضأ في المسجد و نسيت أن أرتديها بعد الوضوء. عندما تذكرت الساعة بعد إداء الصلاة, عدت إلى المتوضئ و لم أجد الساعة. كذبت على نفسي و قلت أنهم سرقوها من بيت الله كما يسرقون أحذية المصلين. بدأت بالتكاسل عن الإكثار في التردد على المسجد . قلت قراءاتي لكتيبات عبد الله عزام و فتحي يكن الصغيرة التي كنت أستعيرها من مكتبة المسجد المتواضعة.


نذهب إلى شاطيء الشيخ عجلين. يحدثنا عمي عن طرطوس و جزيرة أرواد. أسند رأس أبنه الأصغر على كتفي بيد و أمسك يد الأكبر باليد الأخرى. يؤشر الأكبر إلى ثلاجة المشروبات الغازية في البقالة. لا أعرف ماذا يريد. يؤشر إلى زجاجة يملأها سائل برتقالي و يقول أنه يريد أن يشرب " كرانش". أشتري له زجاجة " ستار". يذهب عمي لمقابلة ضابط المخابرات. يسأله عن المواقع العسكرية في الطريق إلى درعا. لا أعرف إن كانت حرارة الصيف هي التي حسنت التقاط بث التلفزيون المصري, أم أن المصريين نشروا مقويات لاستقبال البث التلفزيوني في شمال سيناء التي استعادوها قبل أسابيع قليلة . نستمتع بالفرجة على اليوم المفتوح و " مصر اليوم في عيد" .


التلفزيون المصري يبث خبر محاولة اغتيال ديبلوماسي إسرائيلي في لندن. الجنود يخرجون شمالاً من الجليل. يرتب عمي حقائب السفر خوفاً على عمله في مشروع سد الفرات. يخاف من أن تقطع قوات جيش الدفاع الطريق بين دمشق و حلب. ينقل مذيعو هيئة الإذاعة البريطانية من لندن الأخبار بتؤدة و رصانة مفرطتين بعد أن يضعونها في الثلاجة ليوم واحد خوفاً عليها من حرارة الصيف كما يخافون على وجبة الغذاء. تتساقط القنابل العنقودية و الفراغية على البنايات في الفكاهاني. يستمع أبي و عمي إلى الترانزيستور في غرفة الضيوف. يخشون ألا تستطيع أختهم و أبناءها الهرب من البناية إلى الملجأ . ينفجر والدي من البكاء. أذهب مع عمي إلى سوق الزاوية. يشتري سمكاً مملحاً و مسحوقاً للغسيل يعيد تفريغه في عبوة تخلو من الحروف العبرية. يقضي عمي أقل من أسبوع في غزة و يعبر الجسر و لا نراه لخمسة عشر عاماً متواصلة.


أنتزع خريطة لبيروت من الغلاف الأخير لمجلة "البيادر السياسي", ألصقها على الحائط المحاذي لسريري الحديدي. أنكب على كتاب سميك لإميل توما لتلخيصه في دفترِ "الطالب" من أربعين ورقة. أختلس جهاز المسجل و الراديو من والدي عندما يغط في قيلولته. ترقص روحي على غناء رشيق لطفلة " غسل وجهك يا قمر بالصابون و بالحجر". المذيعات يجلسن أمام الميكرفون بالبيجامات. أتابع الأخبار على أثير راديو مونتي كارلو. المذيعات يشربن النبيذ الفرنسي بينما أستمع إلى وصلة دعائية قصيرة: " نكهة أكثر و نيكوتين أقل". العالم يتابع مباريات كأس العالم في إسبانيا و على شاشات التلفزيون.


عينا جدي و عكازه الخشبي لا يساعدانه على الذهاب إلى المسجد بثقة. يطلب مني والدي أن أذهب مع جدي إلى المسجد. أذهب ممتعضاً أو مسروراً, لا فرق. يؤم جدي بالمصليين. أصلي خلف جدي صلاة الجماعة. ألاحظ أن المصليين يحرصون أن يضعوا أيديهم على صدورهم و أن البعض يضعها بالقرب من القلب, و أنهم يقربون أرجلهم إلى بعض حتي لا تكون مسافة بين الأخمص و الأخمص. يلعب أقراني تينس الطاولة في المسجد و يشجعون فرق كرة القدم المتبارية في كـأس العالم, أما أولائك الذين كانوا يكبروننا, و الذي كان بعضهم إلتحق بجامعة غزة الإسلامية, فكانوا يتناقشون في فقه الصور الفوتوغرافية و بطاقات التعريف الشخصية.


أهرب من المسجد إلى نشرة الأخبار. أقارن ما أسمعه بالمواقع المرسومة على الخريطة الملصقة على الجدار: الأوزاعي, خلدة, المتحف, جاليري سمعان , الملعب البلدي, المدينة الرياضية, الضاحية الجنوبية, المطار, البرج,.... لم تسعفني الخارطة بمعرفة موقع بطاريات الصواريخ السورية. أقرأ في جريدة الأهالي المصرية كيف تسلل ناجي العلى من الجنوب إلى بيروت ؛ كيف هرب من الجنود و من عيون المخبرين إلى الصفحة الأخيرة في جريدة السفير. أرى صور نادية لطفي بالنظارة السوداء و أسمع أن يوري أفنيري قد تقاعد من الخدمة في جيش الدفاع ليقابل ياسر عرفات . أتنقل بين محطات الراديو لأقتنص أسطورة, معجزة أو حتى نصر صغير. جيش الدفاع يتكبد الخسائر على أيدي أطفال الأربيجي. جدتي تحدثني عن خوفها على خالي من الانتقام بينما كان يعمل في كريات جات في إجازة الصيف. الصيف ثقيل و بطيء. يجيء خالي بشريط كاسيت لفرقة العاشقين. شوارع المخيم تغص بالصور. فيليب حبيب يواصل جولاته المكوكية بين العواصم. إلياس سركيس يقضي أيامه الأخيرة في قصر الرئاسة. النساء ينثرن الرز على رؤوس المقاتلين. الرصاص يعانق السماء. فرقة مشاة راجلة من جنود الرائد سعد حداد تتمركز بالقرب من المستشفى الإنجليزي في ساحة التاكسيات. المقاتلون يركبون البحر في سفن إغريقية و تل أبيب تختار ساكنا جديدا لقصر بعبدا.



تنتهي إجازة الصيف و نعود إلى المدرسة و يطل رونالد ريغان علينا في الصباح من صوت أمريكا لينعي فلسطين. يمر الوقت ثقيلا و بطيئاً. يطلب مذيع التلفزيون الأردني المشاهدين بإبعاد الأطفال عن رؤية الصور التي تخدش ما تبقى من إنسانية البشر. يخرج الذباب ثقيلاً من شاشة التلفاز. يتلقي والدي بالبريد نسخ مجانية من التايم و النيوزويك. أنظر إلى الصور الملونة لحدث لا يمكن له إلا أن يكون بالأسود و الأسود. يقرأ لي والدي أن البلدوزر كان يراقب القتلة بالمنظار من مقر أركانه. المتظاهرون يغسلون رموشهم من الدم في ساحات تل أبيب. المتظاهرون يتشبثون بأفران الغاز. أخاف على ساعة اليد من المتوضأ. أقراني يلعبون التينيس في مسجد الإمام الشافعي. يصعقني أقراني, يصعقني بطلي " جيفارا غزة" حين يتكلم من حنجرة سَميِه , من حنجرة زميلي في الصف, ابن أخيه, الذي كبر ليرتدي الجلابية الباكستانية ويردد: "جيفة". يغيب جدي و والدي و أخته و أخيه و ما زلت أرنو لزيارة أخرى لشاتيلا.



قصص الأنبياء




كان جدي يحكي لى قصص الأنبياء . لم ينهي جدي سوى ثلاثة صفوف من التعليم الرسمي و سنوات عديدة في الكُتاب في زمان السلطان العثماني الأخير؛ لكنني واثق أن خطه كان جميل بالرغم من الرعشة التي أصابت  يديه و بالرغم  من ضعف نظرة الذي نتج عن  داء السكر و مياه العينيين البيضاء. أنا واثق أن جدي كان يرسم بشكل جيد. كان جدي يرسم لي دجاجات تجري وراء القمح.

كان والدي يرسم لي على ورق الدفتر علم فلسطين. كان يرسم فوق العلم شعلةً من نار, و تحته خريطة تشبه المثلث الذي ينثني عند بحيرة طبريا و خليج حيفا و البحر الميت. يكتب عودة, قومية, تحرير. كان يضع كل ما خطته يداه في إطار بشكل شبه منحرف غير مكتمل. كان يتوجه بقوس و كان يكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الإطار. كان والدي يرسم وجها لجمال عبد الناصر و يزوِر توقيع الزعيم المصري الراحل.

كان عمي يرسم لي نسراً. لم يكن النسر رصيناً و جامداً كما يبدو الأن على الأوراق الرسمية و الكتب المدرسية. كان عمي يرسم النسر بدون أن يحاول أن يضفي عليه أي وقار. لم يكن يحتاج لأي وقار. كان يرسمه كأنه يخط أي شكل كاريكاتيري. كنت أحب النسر و أحترمه. كانت مهارة عمي في الرسم تكاد أن تجعل النسر يطير. كان يرسم العلم في صدر النسر و كان يخط يافطة أسفل ذيل النسر يكتب عليها بخط النسخ الجميل "جيش التحرير الفلسطيني- منظمة التحرير الفلسطينية". كنت أفرح بنسر صلاح الدين. هكذا سماه عمي . لقد كانت تسميته صحيحة كما تحققت من ذلك لاحقاً. كان على أن أتحقق من ذلك فلقد كان عمي يجيد صناعة الأكاذيب البيضاء التي كانت تسحرنا.

كبرت قليلاً. ولد أخي الأصغر. جاءوا ليهنؤوننا  بميلاده و بسلامة والدتي. كان الأسبوع الأول من مارس - آذار قد إنقضى. لم أكن قد بلغت العاشرة بعد. عملت لضيوفنا الشاي و قدمته لهم و كلى خوف من أن تسقط الصينية  من بين يداي. كنت أنظر إلى صندوق الفيليبس الخشبي بشاشته الأبيض و الأسود. دلال كانت تقود وحدة من الفدائيين. بلد كاملة اهتزت. طائرات الهليكوبتر كانت تمشط البلد. القوارب تبحث عن أي شئ في المتوسط. كانوا يبحثون عن فلول المخربين في الغابات و في الساحل. لم يذهب العمال إلي العمل في إسرائيل خوفاً من الإنتقام. عيزر وايزمان ارتدى خوذته العسكرية. اجتاحوا نهر الليطاني.

كان والدي يأتي بجريدة القدس كل يوم. كان يقرأها و هو مسترخياً على سريره بعد أن يتناول الغذاء. كنت أسحب الجريدة خلسةً من بين يديه بعدما يستسلم لقيلولته. كنت أخذها لأقرأ. كنت أقرأ الجريدة لمجرد القراءة. لتدريب عضلاتي على القراءة. للاستعراض. لمحاولة اكتشاف سرعتي في قراءة الجريدة. لاستكشاف الفرق بين السنة الميلادية و الهجرية في الصفحة الأولى للجريدة. لأتسلى . لأبحث عن حروف ثلاثة في صفحات الجريدة الثمانية أو الستة. لأبحث عن كلمة فلسطين و مشتقاتها في جريدة محافظة تمر على مقص الرقيب.

كنت أبحث عن حروف ثلاثة إن لم أجد فلسطين أو مشتقاتها . كنت أشعر بنشوة غريبة تسرى في جسدي عندما أعثر على فلسطين أو أيِ من مشتقاتها. كنت أشعر بالنشوة عندما أعثر على م.ت.ف. بين أسطر الجريدة. كان وجهي يصبح مثل جوف بطيخة حمراء لو وجدت "منظمة التحرير الفلسطينية" مرة واحدة بدون اختصارات
.
كبرت , كبرت كثيراً. أتممت امتحانات الثانوية العامة. سافرنا أنا و أبي و جدي و أخي الأصغر إلى القدس. فحصوا عيون جدي و أخبروه بأنهم سيضعونه على قائمة الانتظار لعملية في عينيه.

سافرت. تلاشيت خلف الستارة الحديدية . ابتعدت عن أهلي و عن بلدي. صارت الرسائل هي الحبل السري الذي يربطني بأهلي . أتذكر هذا المقطع من رسالة بعث بها والدي لى قبل وفاة جدي. " لقد أجريت عملية المياه البيضاء لجدك في مستشفى سان جون للعيون في القدس و هو يسلم عليك و يستمتع بقراءة الشعارات المكتوبة على الجدران" .




خمسة أفلام بتذكرة واحدة





أحب السينما لكن لا سجاجيد حمراء في غزة.


يداهمني الحدث. أضغط على أيقونة الفيس بوك " Going" بانني ذاهب إلى " event" الحدث. سيفرشون سجادة حمراء على مرسى الصيادين. لكن لا سجاجيد حمراء في غزة. دمائنا هي الوحيدة التي تشبه اللون الأحمر. الأرض هي وحدها الحمراء هنا. الأرض قرمزية بلون الدم المسفوك بعد أن ينشف على الرصيف.


أفكر جدياً بالذهاب.أحب السينما. أحب صالاتها المعتمة. أهرب من الأضواء الساطعة. تثير حنقي الإعلانات التجارية التي تمتلئ بها النصف ساعة الأولى للعرض. أكره الحشود.


أحب السينما . أشاهد " أطفال إرنا" في قاعة مكتظة بالمقاعد الفارغة قبل عقد و نيف في مينيابوليس.


في موسكو شاهدت أول فيلم هناك بالفرنسية بدون أن أفهم أي كلمة لكن جان بول بولماندو كان رائعا كما كن الروسيات و هن يتحدثن عن " السوخوي زاكون" أو " القانون الجاف" عندما رفع " ميخائيل سيرجيفيتش" غورباتشوف سعر زجاجة الستولشينيا من روبل و أربعين كبيكاً إلى عشر روبلات مرة واحدة. لقد قنن السكرتير العام السباحة في أنهار الفودكا التى كانت تنعم بها جنة الإشتراكية السوفياتية. يالها من حماقة أرتكبها نصف سكير لم يكن كسابقيه قد أصيب بعد بالخرف.


أحب السينما . أدخل السينما لأول مرة بتذكرة مجانية في المدينة التي تحتفي بالريح و بالنبيذ و بالإمام شاميل , لرؤية فيلمين مع مدرسة اللغة و رهط من الطلبة الذين قدموا لدراسة الطب. أفسد علينا الدبولاج " رؤية " عودة الإين الضال" ليوسف شاهين , لكن صوت ماجدة الرومي كان أقوي من صخب الترجمة الرديئة؛ أما عن القايكينج فلا تحدث؛ فلقد كانوا سادة المشهد الذي لم نفهمه حتى قبل ال" Brave Heart ".


أحب السينما . أشاهد سبارتاكوس في سينما صيفية مكشوفة عندما سافر كل الطلبة إلى أهلهم بعد سنة اللغة و بقيت وحدي أقتل الوقت بقراءة كتب دار التقدم و رادوغا. كنا نمشي متعانقين في الطريق الهابطة إلى بحر قزوين فندلف إلى السينماتيك, الذي لا يعرفه أحد, حتى قبل الوصول إلى الفيلوهرومونيا المهملة في مدينة لا تحتفل إلا باللزجينكا. أشاهد فيلما بالأبيض و الأسود عن نضال السود في جنوب أفريقيا. أهرب من برد شمال أمريكا إلى " يوميات دراجة " نارية عن طالب الطب الأرجنتيني " العزيز جيفارا" قبل أن يضحى أيقونة مقتولة برصاص السي أي إيه في بوليفيا و على أيدي بيروقراطية البروليتاريا في هافانا.


لا سجاجيد حمراء في غزة. رطوبة الجو كفيلة بقتل الحدث. عربة يجرها حمار كفيلة بأن تجعل المشهد أكثر سريالية. مدير مركز حقوق الإنسان سيضرب عصفورين يبضان ذهبا بحجر واحد من الخفاف. سيزداد رأسماله الرمزي على رأي بوردو بعد أن يحفر إسم بيلفور على قماش تدوسه الأقدام. و سيجلب تمويل الممولين لأحلامه و احتياجاته التي تنتهي.


أحب السينما. أفكر بالذهاب إلى السينما . أصطحب صغيرتي إلى أفلام الرسوم المتحركة في إدنبرة. تحب السينما كما أحببتها. أصحبها إلى قاعة العرض عندما عرضوا الزوتوبيا في غزة. لا شيء يشبه السينما هناك. جهاز كومبيوتر يبث الصور المتحركة على شاش من القماش لا تشبه بأي شيء السينما. حتى ذرة الفشار بدلوها ببذور عباد الشمس. أتذكر الكونياك في روسيا البيضاء بعد مشاهدة " التوبة", و لا أنسى العجوز التي أخبرتنا في نهاية الفيلم الجورجي أنه ليس هناك خير في طريق لا تقود إلى المعبد.


أحب السينما. يأخذني والدي لحضور فيلم الرسالة في سينما النصر عندما كنت الصفوف الابتدائية الأولى. الكل يشير بالبنان إلى مصطفى العقاد مخرج الفيلم السوري. عندما كدت أن ألتحق بكلية الهندسة ربطت بين الفيلم و مبنى عمر العقاد في الجامعة التي نبتت بين الصخور . يذهلني الفيلم لكنني أتقزز من منى واصف و هي تأكل كبد حمزة.


لا سجاجيد حمراء في غزة. أكبر قليلاً. كان أقراني قادرين في العيد على شراء تذكرة لحضور خمسة أفلام أو المواصلة إلى منتزة البلدية حيث يتجمع أشباه حواة و مشاريع نصابين ليجمعوا عيدية الأولاد الأبرياء . في إجازة الصيف, يذهب من يكبرنا قليلا إلى سينما النصر يوم السبت بعد أن يجمعوا غلتهم الأسبوعية من العمل في الموشافات.


لا سجاجيد حمراء في غزة. نمشي الطريق الطويلة من الحارة إلى السينما. كانوا جميعا يكبرونني سناً بثلاث صفوف دراسية على الأقل . كانت بنيتي الجسدية لا تختلف كثيراً عن بنية أقراني أو هكذا يبدو. سينما النصر تتوسط المدينة, و بالنسبة لنا كانت على مشارف نهاياتها. وصلنا إلى السينما. ننتظر الاستراحة بين الأفلام. نقف في الشارع على مدخل قاعة العرض. نحدق في أفيشات الأفلام. بروسلي يقوم بحركات يديه المعهودة. شفاه منفوخة. صدور نافرة. سيقان عارية. فتيات بالبكيني على شاطئ البحر. فاتنات من الهند. يحرس رجل بدين مدخل قاعة العرض. يخرج مرتادو دار العرض من القاعة. يشير الحارس البدين إلى خمسة من أقراني بالدخول. أحاول الدخول معهم, فيمنعني بحزم. أنتظر بالخارج مع أخرين. يغيب الحارس البدين قليلا عن المدخل. أنتهز الفرصة. أتسلل إلى قاعة العرض المظلمة. يناولني أحد أقراني مكنسة طويلة. ننظف بلاط قاعة العرض من الأتربة و القاذورات و أعقاب السجائر. أختفي بين أقراني في الظلام. ننتهي من تنظيف قاعة العرض. يبدأ مرتادو السينما بالدخول. نضع مكانسنا جانباً و نختفي تحت المقاعد الخشبية للقاعة طبقاً لإشارة الحارس البدين. يجلس الرواد على مقاعدهم. نوزع أجسادنا على المقاعد الخشبية الشاغرة. نشاهد بروسلي. يصدح عبد الحليم في فيلم بالألوان ألتقط في جبال الأرز. إمرأه بملامح صينية و بصدر نص عارٍ تجلس على أريكة بينما يلتقط رجل بشوارب رمانة من صحن كبير ممتلئ بالفواكه على طاولة صغيرة ترقد أمام الأريكة. كل شيء يحاول دغدغة التيستيستيرون في دماء المشاهدين.


أحب السينما؛ و غزة فيلم أمريكي طويل.


أدخل المرحلة الإعدادية في نفس مبنى مدرستي الإبتدائية. أسعد الصفطاوي يعمل نائباً لناظرة  مدرسة البنات الإبتدائية المجاورة. السعودية تتبرع بإنشاء المجمع الإسلامي. ضابط الركن يقص شريط الافتتاح. الشيخ أحمد ياسين يتحرك بدون كرسي متحرك؛ مريدوه يساعدونه على الحركة. أبو وردة يموت مقتولاً في جباليا. المدرس الخارج من السجن بعد سنين متهم باختلاس ثلاثين ألف جنيه إسترليني. يتحدثون في غزة عن جامعة . حيدر عبد الشافي يريدها باسم الإمام الشافعي. نخرج من المدرسة قبل حصتين من موعد انتهاء الدوام المدرسي في الفترة المسائية الثانية. يتجمع أقراني أمام مدرسة البنات. ألتقط عن التراب منشورا بدون توقيع. لجة في الشوارع. أذهب إلى المسجد الخالي من المصلين لصلاة العصر و أعود أدراجي إلى البيت. يخرج أقراني مشياً على الأقدام إلى مكتبة الهلال الأحمر. يحرقون بعض مصاحف القرآن مع كتب لينين و ماركس. يخربون متجر الكحول الوحيد في غزة. الجنود المنتشرون في شوارع المدينة يراقبون المشهد عن كثب و بحياد كامل. أبو صبري يصول و يجول في المدينة. يحرق أقراني سينما النصر.


لا سجاجيد حمراء في غزة. أكبر و يكبر أقراني. أغترب و أتغرب. يلتحق أقراني بجامعة غزة التي تصبح إسلامية. يُبعدون. يُعتلقون. و يكبرون, يملئون الفراغ. يستولون على السلطة و الحكم في غزة. يصبح أقراني قادة. وزراء. يحرسون البلد أو السجن من السلك إلي السلك. لا سينما بغزة في زمانهم و لا إضاءة. يدخلون البلد في ثلاثة حروب بتذكرة واحدة, و لا نعرف متى ستأتي الحرب الرابعة.





ذاكرة بصرية


لم أبحث في صورتها عن الأم تريزا و لا عن بدوية من صحراء النقب. بحثت عن نفسي في إشلاء ذكريات قبل الغياب و قبل أن يحل التعب. لم أستدعى جيشاً من الملائكة ليساعدني في نسخ صورة رمادية من ألبوم قديم,. لم أطلب من الفراشات أن تنثر ألوانها لتصير العجوز صبية. كانت بقايا الطفولة كافية في أن تتضافر مع عدم مهنيتي و جرائمي الفنية لتعيد العجوز عشرين عاماً للوراء.

لم تكن تحكي لي "قصص الأنبياء" كزوجها. لم تقص علىَ كجدتي الثانية خراريف " نص نصيص" قبل النوم و لم تنصحني بقراءة " أية الكرسي" عندما لا تفلح الحواديت في إيداعي للنوم قبل نهاياتها .


لم تنهرني. لم تدللنني بالأغاني و لم تهدهدني كالحمام.


كل شيء عنها يبدو باهتاَ في الذاكرة مثل صورتها القديمة. وميضها يأتي و يذهب بلا يقين و لكن بدون شك, مثل إيمان عميق بدون طقوس.



أخذ حصتي من قلبها. ولدت لأكون أول طفل من أبنائها الذكور الثلاثة, الذين جاءوها بعد نصف دزينة من الإناث. أخذ نصيب والدي, الثاني في سلسلة الذكور, من دلال لم أكن أدرك معناه. أخذ حصة الحفيد الأول الذي سيحمل إسم جده.


أرافقها و جدي في الباص المتجه نحو المخيم. كان الباص شبه خاوي. كانت تحمل سلة فيها دجاجتين لم تذبحا بعد.


تسافر جدتي إلى إبنتها في الحجاز. تعود من الحج بالهدايا و البخور و رائحة الجنة. أركب التاكسي المتوجه نحو القدس. أصاب بدوار البحر. أمشي خلفهم على شوارع أكلت الأقدام و التاريخ خشونتها. أكاد أن أتزحلق. ندخل في سراديب ضيقة تحت الأرض. الإنارة الشحيحة تبدد عتمة المغارة الضيقة المزدحمة بالحجيج و المصليين. ينحنون حتى يستطيعوا السير خلف الأنبياء. أمشي وحيدا بكل قامتي المنتصبة. ألمس أثر كعب الملائكة. يسكنني دوار البحر. أعتاد على المشي منتصب القامة برغم شعوري بثقل الملاكين الذين يجثمان على كتفاي.


يصطحباني إلى بيتهما الذي تركاه لحين انتهاء الحرب. يتقفدان باب البيت , الجدران و النوافذ, و بيوت الجيران التي رحل عنها أهلها. يطرقان باب البيت. يسألان عن شربة ماء من الحنفية. كل شئ على حاله في البيت. يشربان الماء ببطء. عيونهما تجول في الدار. يمضغان الدمع المر. يخاف اليمني من عيونهما و رعشة أجسادهم. تلتصق حنفية قاع الدار و الجدران المطلية بالشيد في ذاكرتي البصرية . يخاف اليمني من ذاكرتي البصرية. يطردهما اليمني من البيت الذي إستوطنه. يطردنا اليمني بأدب جم. يطردنا اليمني بحزم حاسم.


أمشي خلفها. أتعلق بأهداب ثوبها. تخرج مفتاحا من ثوبها. تتبعها إحدى بناتها. تمشي. تضع المفتاح في الباب كأنها تقوم بمهمة سرية. تفتح الباب. تدخل عمتي خلفها. الغرفة ضيقة. تبدو كأنها خالية من الأوكسجين. أدخل خلفهما فلا تكترثان. تقفلان الباب. الغرفة الصغيرة تزدحم بكل شيء. فول. سكر. طحين. برغل . رز . سكاكر. أواني. قدور. طناجر غبار و هواء قليل. كأن بقالة كانت قد أفرغت في هذا المكان المكتظ. تتناول صندوق معدني كتب عليه بخط الثلث " نادلر". تطل من الصندوق أسفل كلمة "نادلر" صورة ملونة لجمال عبد الناصر. تفتح الصندوق. أحسبه صندوق العجب و أن مارداً سيخرج منه. تمنحني قطعاً من حلوى الطوفي الملفوفة بالنايلون أخرجتها من الصندوق المعدني المذهب. أحاول أن أحرر الطوفي من النايلون فلا أستطيع. أطلب منها المساعدة. تكتشف أن حلوى الطوفي قد ساحت. تشير إلى أبنتها أن تخرج صنادق النادلر من الغرفة و أن توزع محتوياته.


تعتل صحتها. تخرج من المستشفى لتدخله. نلتقط معها صوراً ملونة. تصاب بالقدم السكرية. أعود من المدرسة مبكراً بناء على إيعاز الناظر. أحمل مع أحفادها الأخرين شموعاً في غرفة مظلمة بينما تغسل إمرأة جسدها المسجى على طاولة . يجد جهاز الجراموفون له وظيفة معتبرة بعد أن أضحى مجرد أداة للتسلية بعد إقتناء مسجلات الكاسيت. تصدح الإسطوانة بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد قارئاً لأيات من الذكر الحكيم. لا نفتح التلفزيون لأربعين يوماً إلا على نشرة الأخبار الوحيدة و الصور المتحركة. أكمل الصف الثاني الإبتدائي. نغادر بيتنا القديم ذو الساحة الواسعة إلى بيت جديد لم يكن إنشائه قد إكتمل تماما بعد. أشعر أن طفولتي قد إنتهت صلاحيتها.


خليل شعث عالم ذرة في غزة


كأنني في فيلم جيد الإخراج و التصوير تم إنتاجه في السبعينات. مثل تلك الأفلام الإيطالية و الفرنسية التي كان تظهر فيها صوفيا لورين في السبعينيات و أوائل الثمانينيات. الألوان تستحق السعفة الذهبية في كان أو الدب الذهبي في برلين. الطقس  رائع . ربيع مقيم, بالرغم من عدم وجود مكيفات و لا دفايات. هواء البحر المنعش يملأ أنفي. لم تختلط  رائحة المجاري بهواء البحر الذي يملأ المكان بالحياة 


أدخل المركز الصحي. مبنى المركز قديم , لكنه نظيف. لم تكن القابلات أو الممرضات  يرتدين أغطيةً لرؤوسهن. كن وقورات للغاية. بعضهن يلبسن مراييل بأكمامٍ قصيرة. كان بياض المرايل مائلاً قليلاً إلى الاصفرار مع فعل الزمن و الغسيل او نوع تظهير الفيلم .وجوههن سمراء.  تنبض وجوههن  بالحيوية و الدم. الأثاث مستورداً من اليابان و أمريكا و السويد و من كل دول العالم الصناعية. لن أستغرب لو قال لي أحدهم أن هذا الجهاز من يوغوسلافيا أو من تيشكوسلوفاكيا


بالرغم من كل ذلك, فثمة شيء غريب في المركز الصحي. أول ما لفت انتباهي عند تعييني كطبيب في المركز الصحي هو ذلك الميزان الذي كانت تقف عليه السيدات الحوامل. الميزان  مصنوع  في ألمانيا, أذكر ذلك جيداً. إن لم تخنني الذاكرة, فلقد كُتب عليه seca باللون الأحمر . كان الجهاز دقيقاً و متيناً مثل كل شيء قادم من ألمانيا


النساء الحوامل وديعات. ينصعن لأوامر القابلات و الممرضات, بالرغم من أن العاملات الصحيات لا يعاملهن على أحسن وجه. أنتم تعرفون ضغوط العمل التي يتعرضن لها في المركز الصحي. يتعاملن مع النساء الحوامل بشيء من الغطرسة و الخشونة, لكن الحوامل كن مثل الملائكةٍ القادمات  من زمنٍ سحيق . كأنهن جئن  من تلك الصور التي كانت تطبع بالأبيض و بالأسود. السيدات الحوامل يدخلن إلى غرفة الفحص, حيث يقبع ميزان seca فرادي أو جماعات. غرفة  الفحص الواسعة تحتلها غالباً  خمس إلى سبع نساء. ثلاث إلى خمس سيدات حوامل و سيدتان بالمراييل البيضاء. النساء الحوامل حافيات. لا َ يرتدين لا شالة و لا بندانة, لكن رؤوسهن متوجات بطرحاتٍ من السيتان الأبيض . أعناقهن عاريات  ببراءة وعفةٍ كاملتين. يلبسن أثواباً سوداء مثل تلك التي تظهر في أرشيف صور النكبة


يبدو  المركز الصحي كأنه  مفاعلٍ نووي قديم تم تشييده في الخمسينات أو في الستينات. أبدأ بأتعرف على المركز الصحي. تفقدته في اليوم الأول لمزاولتي العمل فيه. دخلت إلى غرفة فحص الحوامل. لم ينتبه أحد لي . لم يكترثوا بي.  الممرضات و القابلات يقمن بعملهن بكل و إخلاص و جد. شغالات في خلية للنحل. يعملن  كأنهن في غرفة لتخصيب اليورانيوم في بيونغ يانغ. كل شيء يتم على خير ما يرام.

جل عملهن منصب على توزين السيدات الحوامل. قد لا يكون هناك شيئاً غريباً في كل  ذلك. لكن الميزان نفسه, المصنوع في ألمانيا, يتصل بوعاءٍ أبيض غير شفاف. الوعاء متقن الصنع ليوحي لك أنه تم تصنيعه أيضاً في ألمانيا. الممرضات و القابلات يقمن بتوزين السيدات الحوامل بسرعة فائقة و بمهنية عالية. لكن عندما يأتي الأمر إلى الوعاء البلاستيكي الأبيض المتصل بالميزان الألماني الصنع , فإنهن يتحولن إلى عالمات ذرة. تضع أحداهن يدها في جيب مريولها الأبيض. تخرج منه بيضةً بخفةٍ فائقة. ثم تضع البيضة في الوعاء البلاستيكي الأبيض المتصل بالميزان الألماني. تُستَفز كل حواس العاملتين الصحيتين و تستمران في مراقبة الوعاء الأبيض . ينظرن إليه من الأعلى إلى الأسفل . لم يتسنى لي معرفات محتويات الوعاء, لكنني تذكرت أمي عندما كانت تفحص ملوحة الماء بالبيضة قبل تخزين الزيتون

أدخل المركز الصحي كأني قادم من كوكب أخر. المركز الصحي ينتمي إلى عالم أخر. عالم نظيف و هادئ. مركز صحي بدون اكتظاظ أو زُحام. جدران المركز الصحي مطلية بلونٍ أصفر محروق كصفار البيض البلدي في الأسفل و بالشيد الأبيض في أعالي الجدران و في السقف. كل شيء على ما يرام في المركز الصحي, لكن ثمة شيئاً غريباً يحدث هناك.  لا تذهب  سيارة العيادة إلى السوق لإحضار المشتريات لحكيمة العيادة و مديرها.  كل الإشاعات التي سمعتها كانت  مغرضة. أستطيع أن أقسم أن كل الإشاعات كانت مغرضة. أستطيع أن أقسم بأنني لم أرى لا مدير العيادة, و لا مدير الصحة خلال أكثر من عشر سنوات عملتها في المركز الصحي. أستطيع أن أقسم أنني لم أستمع إلى مدير الصحة و هو يتفاخر بنفسه و أنني لم أشهد غطرسته التي يتحدث عنها الجميع. لم تكن أم إياد تقوم بفحر الكوسة و لا بتقشير السمك و لا بتلقيط الملوخية في العيادة. كان كل شيء على ما يرام

في المركز الصحي تعرفت على أفضل زملاء في العمل. يكفيني الدكتور أبو أسامة. كان على عتبة الخمسين من عمره . طويل و عريض المنكبين . سرعان ما ترتعب عندما تراه من بعيد بشعره الأبيض و جسده الضخم الذي يوحي بأنه يعمل حارس شخصي لدونالد ترامب, لكنه سرعان ما يفاجئك بضحكته الودودة التي يتفوق بها على يحي الفخراني

بالرغم من ضخامة جسده كان يحمل قلب طفل. تصادقت مع الدكتور أبو أسامة الذي كان يتحفني بالنكات و الطرائف. كان لا يترك لا نانسي عجرم و لا أليسا و بالطبع هيفاء وهبي في حالهن. نكون في نقاش جدي , ليكسر كل تشنجاتنا: " أطبطب ... أدلع... " و يأخذ بالغناء العذب. كنا نذهب لتدخين السجائر سويةً في الساحة الخلفية للمركز الصحي في نهايات أيام العمل عندما ينقطع تدفق المراجعين إلى المركز الصحي, بينما كنا نختلس التدخين في غرفنا أثناء الوقت المتبقي من النهار.

في أول مره ذهبنا للتدخين في الساحة الخلفية للمركز الصحي اكتشفت شيئاً غريباً. شاهدت مخطوطاً كبيراُ مكتوباُ بدهان السبراي الأحمر بخطٍ ردئ و لكنه كان واضحاً و مقروءاً : " خليل شعث عالم ذرة". لم يكن ذلك شيئاً غريباً. كانت أغلب جدران المؤسسات العامة في قطاع غزة تحفل بكتابات خليل شعث. مرةً خليل شعث عالم ذرة و مرةً أخرى خليل شعث هو الذي أخرج قوات الاحتلال من غزة و مرة ثالثة خليل شعث مرشح للمجلس التشريعي و رابعة للرئاسة و هكذا دواليك. لم يترك خليل شعث جداراً من جدران القطاع إلا و طرزه بجمله المفيدة. لم يكن ذلك مهماً

لمحت بعض الدجاجات الملونات بالأسود و بالبرتقالي. كن يتحركن في فناء مسيج في الساحة الخلفية للمركز الصحي. كان هناك قن تستظل فيه الدجاجات من حر الصيف و تأوى إليه في برد الشتاء. ثمة حظيرة متكاملة للدواجن البلدية في الساحة الخلفية للمركز الصحي. سألت الدكتور أبو أسامة عن الحظيرة فأجابني و كأنه لا يريد الإجابة : " بيربوا جاج... سيبك منهم". 

تأكدت أن شيئاً غير طبيعي يحدث في المركز الصحي. تساءلت مراراً عما يحدث. لماذا يتم إستخدام البيض البلدي في توزين السيدات الحوامل؟؟ ما ضرورة وجود حظيرة للدجاج البلدي في الساحة الخلفية للمركز الصحي؟؟ راوغوني قليلاً ثم أفادوني أنها تعليمات من غزة ننفذها هنا في رفح بدون أدنى نقاش. عندما أصررت على الإستفسار و إستمريت بالاستهجان أفادوا مرة أخرى أنها توجيهات تقنية موجهة من بيروت و من فيينا و من عمان على مدى عشرات الأعوام, و أن كل هذه التوجيهات التقنية مبنية على الأدلة و البراهين التي تتبناها المؤسسات الدولية في جينييف أو في نيويورك. واجهوني بالكثير من الكلام المنمق

لم أقتنع أبداً بكل ثرثراتهم و حججهم. في النهاية آثرت الصمت بدون أن أساهم في الخطأ. قد لا يضيرني كثيراً وضع البيضة البلدية في الوعاء البلاستيكي المتصل بميزان سيكا. لن تضيرني حظيرة الدجاج البلدي. كل ما فعلته هو أنني رفضت أن أخذ شيئاً من البيض البلدي الذي يتم توزيعه أحيانا على الموظفين بعد استعماله في توزين السيدات الحوامل بدلاً من إتلافه أو رميه في النفايات. كل ما فعلته هو انني واصلت البحث في المراجع الطبية عن أهمية توزين السيدات الحوامل بإستخدام البيض البلدي

عشت أكثر من عقد بدون أن أرتاح في المركز الصحي. لم تكن أم إياد تحفر الكوسا. لم تكن تلقط الملوخية و لا تنظف السمك. لم تكن سيارة العيادة تذهب إلى السوق لإحضار المشتريات لحكيمة العيادة و مديرها. لم أكن مرتاحا بسبب البيض البلدي و الدجاجات التي كانت تشبه الدجاجات البلدية التي كانت تربيها جدتي. لم أكن مرتاحاً بسبب التوجيهات التقنية القادمة من جنييف و من نيويورك

مرت السنوات. كبرت و كبر معي حزني. كبر الدكتور أبو أسامة. مرت أكثر من عشر سنوات. ظللت أوده. حافظنا على صداقتنا. إستمر بتسليتي ببث نكاته الطازجة. صوته العذب. قفشاته اللطيفة. خفة دمه. واصلنا تدخيننا للسجائر في الساحة الخلفية للمركز الصحي علناً و في غرفنا سراً. الكل كان يتحدث أن أبو أسامة لم يعد كعادته. لم تعد نكاته كالسابق. صار حزيناً أكثر. لم أشعر بذلك. كان نسمة الهواء التي تمر على الهواء اللزج الذي يملأ الفضاء

كنت سعيداً و جذلاً. كنت منتشياً و كأنني انتصرت على كل طواغيت الكون بالصبر و بالمثابرة. نظرت إلى وجه أبو أسامة. كان وجهه برونزيا كأنه خرج من فيلم سكوب تم تصويره في الستينات لأحمد رمزي. كان منتفخاً. لا أعرف إن كان ذلك من أثار بروتين البيض البلدي الذي كان يتناوله, أم أنه نتيجة لضعف ما في عضلة القلب. ظهرت التجاعيد في وجهه المنتفخ. نظرت إلى عينيه. رأيت ذبول الضحكة البريئة فيهما. نظرت إلى شعره. صبغة الشعر الأسود حلت مكان الشيب. نظرت إلية. بعد أيام سيبلغ الستين, و في نهاية الشهر سيتم إحالته للتقاعد. نظرت إلي عينيه الخجولتين. قلت له : ها هم قد عدلوا التوجيهات التقنية المبنية على الأدلة و البراهين

كدت أن أقول له لقد أنفقت عمرك يا دكتور أبو أسامة و أنت تمتثل للتوجيهات التقنية القادمة من غزة و من عمان و من بيروت و من فيينا و من جنييف و من نيويورك و من كوبنهاجن و باريس لتنفذها أنت في رفح, و ها هي التوجيهات يتم إلغائها لأنها كانت خاطئة, لكنني بلعت لساني

واصلت المكوث  في فراشي الدافئ. غططت في النوم. استيقظت على صوت المنبه. ذهبت إلى الطاولة. فتحت اللابتوب. ضغطت على فرنسا 24. بالغ يقتل 17 طالباً في فلوريدا. إعتقال هشام جنينة و أبو الفتوح في القاهرة بعد إحتجاز سامي عنان. فضيحة أوكسفام في تشاد و في هايتي. تهم الرشوة تلاحق نتانياهو. تأجيل محكمة عهد التميمي. الحرب في سوريا تأخذ حصتها المعهودة من نشرة الأخبار. فتحت على الفيس بوك. صور لتراكم النفايات في مستشفى الشفاء. لم ينتبه أحد إلى أن خليل شعث عالم ذرة في غزة.



تلصص

أنقل السلم الخشبي. أثبته مائلاً. أضع رأسه على فوهة الفتحة المربعة الواقعة بين سقفين إسمنتيين . أتأكد أن السلم مثبت بشكل جيد على البلاط. يصعد الجسد النحيل إلى الأعلى. تصعد قدماي الحافيتان على القواطع الخشبية. أتأهب قليلا عند صعود المسافة بين قاطعين خشبيين. كان السلم قد فقد سنين متقابلين من طاقم أسنانه. أقفز بين القاطعين الخشبيين المتباعدين. أواصل تسلق السلم الخشبي بخفة, و لكن بحذر . أقفز إلى بلاطة السدة. أشعر بنصر صغير. ها أنا قد وصلت إلى مبتغاي لوحدي. تسلقت سابقا السلم الخشبي برفقة إثنين من أبناء عمتي. أتحرك مقرفصاً خوفاً من أن يرتطم رأسي بالسقف الإسمنتي.

 أتحرك بين الغبار و بقايا أنسجة العنكبوتات. يصطدم أنفي بالروائح. طالما تذكرت هذه الرائحة كلما أزورً كنيسة قديمة مهجورة لا يتم إستخدامها إلا للنشاطات الإجتماعية. لم تكن الرائحة محببة و إن لم تكن كريهة. تختلف الروائح مع كل حركة من حركاتي. كبريت. فونيك. ماء نار. توابل منتهية الصلاحية. شيء يشبه رائحة الإسمنت. صدأ. نحاس.

أتحرك ببطء. أتلصص على الأشياء التي رأيتها على عجل في مرات سابقة. الموعد. الشبكة. أخبار فلسطين. الصياد. أخر ساعة. روز اليوسف. الوقائع الفلسطينية. سمير. مجلات مفردة, و صفوف كثيفة أخرى من تلك المجلدة في كرتون مغلف بالأسود أو بألوان زرقاء أو خضراء غامقة مكتوب عليها بحروف ذهبية أو فضية إسم المجلة و أرقام تدل على أعدادها.

أتفقد الأشياء. تغيثني عيناي في تصفح الصور و الصفحات القديمة؛ وتمنحني السنتان, اللتان قضيتهما في المدرسة قبل هذه الإجازة الصيفية, القدرة على قراءة المجلات و الأوراق القديمة؛ و يساعدني جسدي الضئيل على خفة الحركة في مكان ضيق و مزدحم؛ و يؤثثني عمري بخيال فج و برئ يرى الأشياء عارية من دلالاتها, و مثقلة بسحر الاكتشاف.

أتلصص . صور لعبد الحليم حافظ رافعاً رأسه. أم كلثوم بمنديلها . فاتن حمامة على رمال شاطيء بالأبيض و الأسود. إسماعيل ياسين بنظرته البلهاء . عمر الشريف بلا شوارب. إعلانات. أسبرو. بوابير بريمو. ثلاجة أيديال. صندوق مكتوب عليه نصر. عبد الناصر كنقش جرافيكي على صفحات المجلة و كلوحات بالألوان على أغلفتها . أقرأ سمير و أحفظ صورته و صورة سميرة لأرسمهما فيما بعد عن ظهر قلب كأني أرسم أحرف الطباعة . أقرأ و أستمر في التلصص . الملك سعود. حلف بغداد. أحمد الشقيري. السد العالي. الإتحاد القومي الفلسطيني في قطاع غزة. الإتحاد الإشتراكي في مصر. المجلس التشريعي الفلسطيني. برج القاهرة أو وقف روزفلت. الظافر و القاهر. أشاهد صور لتشي غيفارا في غزة و في القاهرة. جان بول سارتر و سيمون دي بوفار في مخيمات اللاجئيين. تنقلني المجلات و الأوراق من دهشة إلى أخرى و من اكتشاف لأخر.

أتلصص. أنتقل من دهشة المجلات إلى دهشة أخرى و أخرى. أقلام كوبيا. دفاتر قديمة. مجلات ملونة بالإنجليزية. أكتفي بالنظر إلى الصور. أطر خشبية مشدود عليها قماش الخيش أو الحرير. شابلونات. أصابع ألوان زيت. أعشق رائحة ألوان الزيت و رائحة التربنتينا. أقلام فحم. حاويات بلاستيكية صغيرة بألوان متعددة. أتعلم عشق الألوان في عتمة السدة التي لا يبددها إلا الضوء القادم من فوهتها و من شباك قصي و وحيد و مغبر . صندوق خشبي بلمبتين و عدسة. إنه السحر. فانوس سحري. إنه السحر الذي كان يغمرنا به عمي؛ إنه السحر الذي كان يحول الصور الصغيرة إلى لوحات كبيرة الحجم و يافطات ملونة.

أتلصص. أوراق تجارة جدي.أرقام و أسماء مكتوبة بأقلام الكوبيا على دفتر اليومية و دفتر الأستاذ. تتواصل الدهشة. أوراق رسمية قديمة. مظاريف مكاتيب بحجم كبير و بحجم أصغر. أوراق مٌرَوسة. تتواصل الدهشة. يطل إسم جدي الرباعي مسبوقا بالحاج بخط فارسي متقن من الورق المٌرَوَس و المظاريف. أرى كلمات مكتوبة بأحرف إنجليزية في الجهة المقابلة للخط الفارسي. خطب جمعة مكتوبة بخط عمي الجميل على ورق بحجم الكف. أوراق كان يجب أن تذهب إلى سلة القمامة أو إلى المتاحف.

أتلصص. بوابير كاز نحاسية يبدو أنها لم تعد صالحة للإستعمال. أتحمل الغبار و الرائحة التي تنفذ إلى أنفي في سبيل دهشة أخرى و أخرى. صوت قوي يأتي من الخارج. صوت بائع ينادي على "بندورة حلوة". أستغرب. لم نكن نعرف الفرسيمونا بعد. تتواصل الدهشة. مطاحن يدوية لطحن القهوة. أواني نحاسية. روبابيكيا و خردة . أشياء رخيصة و أشياء لا تقدر بثمن . يغزو الغبار و العتمة و الرائحة و التعب جسدي الصغير , لكن التلصص و الدهشة التي لا تنضب يمنحاني القدرة لأواصل لساعات و لساعات.

يصدح صوت المؤذن بآذان الظهر. أقرر النزول على عهد بالرجوع مرة أخرى لدهشة جديدة و تلصص آخر و آخر. أتأكد أن السلم الخشبي مثبت بشكل جيد. أنزل بحذر. لا أكترث هذه المرة بالسلمة المنزوعة فهي من الدرجات السفلى في السلم الخشبي. أهبط إلى البلاط منتشاً بتلصصي.
أمشي مزهواً بنصري الصغير. لا أهتم بالغبار الذي ملأ جسدي و ملابسي. أرتطم بأمي تفتح باب الدار عائدة من العمل. تفاجئني عيناها بابتسامة لم أراهما من قبل. تغتصب أحبالها الصوتية و تزعق في وجهي بصوتٍ عالي:" إيش هذا!!؟؟ إيش اللي إنتا عامله في حالك؟؟!! " و تواصل اغتصاب تعنيفها من عينيها المبتسمتين : " روح غير أواعيك", ثم تستدرك قائلةً بهدوء: " إنتظر قليلاً حتى أحممك". ثم تواصل ضاحكة: " روح تطلع على حالك في المراية". تضع إناء الماء على بابور الكاز. أنظر إلى وجهي و ملابسي في المرأة و قد غزاهم الغبار. لا أكترث و أعاهد نفسي بغزوة تلصص أخرى في السدة.

تغلي الماء. أقف عارياً في صحن الغسيل. تضع الماء الفاتر على رأسي. تفرك رأسي بصابون الشكعة. تدعك جلدي بإسفنجة ناعمة بعد أن تعركها بصابون برائحة اللافندر النفاذة . أنظر إلى الماء العكر الرمادي الذي تجمع في صحن الغسيل. نظفتني من غبار السدة, لكنها لم تنظفني من الذكريات و من التلصص ؛ من التلصص على كل شيء ؛ على نفسي و على الذكريات. و ها أنا أواصل التلصص و سرد الذكريات بدون أية حكاية و لا أي معنى .
12/05/2018 
edited one year later 

04‏/12‏/2018

نشأت






كنا نطبش. لا أستطيع  حتى أن أقول أننا كنا نفعل ذلك! 

لم تسمح لنا الشوارع الترابية بذلك. لم تأتي إلينا عربة من عربات الجيش. خذلتنا كل فرق الجنود الراجلة. 


أرى صورة الفتى يحمل عجل الكاوتشوك. أرى صورة الشهيد و هو يحمل عجل الكاوتشوك بالقرب من السلك. ألاحظ كيف تمكنت الكاميرا إلى رفعه إلى درجة الأيقونة, و كيف صعدت به الشهادة إلى السماء. ألاحظ كيف يكتب الشعراء كلماتهم الركيكة و يذهبون بعيداً في الحملقة في وجوههم في المرآة وفي قراءة شعرهم التافه مرة أخرى و أخرى. لم يهتم أحد منهم بالنظر في عيون الأيقونة. كل ما أهتموا به هو عجل الكاوتشوك الذي كان يحمله. كل ما أهتموا به هو جسده النحيل و عمره اليافع. كل ما أهتموا به هو أنه حلق بعيداً في السماء. لم ينظر أحد إلى عيونه المتوهجة بالذكاء.


تشاكسني عيون الشهيد الأيقونة, وأتذكر عيون نشأت.

 أتذكر نشأت. الطش على الصف بامتياز. نشأت الذي يجلس في البنك الأخير في الصف. نشأت ببنطاله الساحل. نشأت أطول و أعرض  طالب في الصف. نشأت الذي كان يقدم كفي يديه واحدا تلو الأخر بطواعية للخيزرانة التي تعاقبه لأنه لم يحل الواجب. لأنه يشاغب.  لأنه لم يستطع حل مسألة الحساب السهلة, أو حتى لمجرد أن الابتسامة الساخرة في عينيه استفزت كبرياء المدرس.


أتذكر نشأت و أعود إلى الخلف لأنظر في عيون نشأت. نشأت الذي لم تحوله الشَهادة إلى أيقونة أخرى, و لم تنتزعه البطولة من الحياة. نشأت إبن صفي الذي كان يكبرني في العمر كما كان يكبر أغلب أولاد الصف.


أتذكر نشأت.


وجهه الطازج مثل رغيف خبز خرج للتو من الفرن.


تبرق عيون نشأت بالسخرية و بالذكاء, و تنثر غمازات خديه البهجة البريئة.


كنا في عمر الشهيد الذى تحول إلى أيقونة. أنا متأكد أننا كنا أصغر من عمره قليلاً.

 لا أستطيع حتى أن أقول أننا كنا نطبش. لو كنا طبشنا لكنا طبشنا على أنفسنا. كنا نلعب في  أطراف المدينة. 


كنا نلعب, مثلما كنا نلعب في الزقاق عندما نحشو فتحات المفاتيح القديمة و الصغيرة بالكبريت الذي كنا نكحته من عيدان الكبريت, و من ثم نجعل المفتاح يصطدم بالجدار ليصدر انفجارا. كنا نهتف مثلما كنا نطلق صراخنا الطفولي الذي لم نكن نفهم أي معنى له: " ولعت كوريا". كنا نلعب.


نتجمع قبيل موعد الطابور الصباحي أمام بوابة المدرسة. حسب الاتفاق, أجلب الكاز في زجاجة دواء صغيرة, و أتي معي بعلبة كبريت من البيت. يتحرك جسد نشأت باتجاهنا. يجلب عجل الكاوتشوك القديم. أصب الكاز على العجل. نهيل بالورق و الكارتون على الهوة الدائرية التي تحتضنها دائرة العجل. أمسك مجموعة من الأوراق. أقدح عود الكبريت بالعلبة. أشعل الورق, و أهيلها بنارها من بعيد على العجل المبلل بالكاز. يشتعل الكاوتشوك. يطير الدخان الأسود في سماء الشارع الترابي. تنطلق حناجرنا الصغيرة بهتافاتنا البسيطة. يعود البعض أدراجهم إلى بيوتهم. يتسرب البعض عبر بوابة المدرسة إلى غرفة الصف. و نستمر في التجمهر أمام بوابة المدرسة الإعدادية. تخيب كل ظنوننا بقدوم دورية راجلة أو محمولة من الجنود إلى الشارع الترابي النائي. نستمر في التجمهر حتى نمل و حتى تتعب حناجرنا الفتية من الصراخ. نتفرق بعيداً. نعود أدراجنا إلى بيوتنا أو إلى غرفة الصف خائبين.


تخذلنا الشوارع الترابية, و يخوننا مكان إقامتنا و دراستنا في أطراف مدينة لا تعرف الصمت إلا لتنفجر مرة أخرى. نادرا ما كنا نرى الجنود, إلا في طريقنا إلى ساحة التاكسيات البعيدة. نلمحهم في الصيف و هم يتحركون تجاه الكثبان الرملية الغير المؤهولة و البعيدة عن بيوتنا. لا أعرف ماذا كانوا يفعلون هناك, لكن الكلام كان يدور عن مواجهات كانت تجري قديماً هناك في زمن لا نعيه, و عن بقايا ألغام طالما تضرر البعض منها.


نندب حظنا الرديء في أطراف المدينة. يحدثنا زملائنا الذين يأتون عبر الشوارع الإسفلتية  عن الكاوتشوك الذي يجلب عدسات الصحفيين الأجانب و دوريات الجنود. ننظر إلى بعضنا و نهمس. نخرج بعيدا. نعاين المكان سوية. شارع أسفلتي تصب فيه العديد من الأزقة الترابية. الحركة خفيفة في الشارع الأسفلتي. أتفق أنا و نشأت. سنجلب عجل الكاوتشوك. سنشعله و نهرب. سنربك الدوريات التي تجوب الأسفلت. ستبتلعنا الأزقة الترابية في طريقنا إلى البيت. هذا كل أسعفنا به خيالنا.


يترك نشأت المدرسة. يرسب في اختبارات آخر السنة. بتعلم الحدادة و تصليح السيارات. أراه بملابسه المشحمة بزيت السيارات أو بصدأ الحديد. يمطرني ببريق عينيه و بغمازات خديه, و يمشي كل واحد منا في طريقه. أمل من التجمع أمام بوابة المدرسة الإعدادية و من إشعال الكاوتشوك بعيدا عن عيون الجنود و عن كاميرات الصحفيين. أمل من محاولاتي الفاشلة في إيهام نفسي ببطولة لا أستحقها.


أتحلى بالحذر. أسلح نفسي بوعي قبل الأوان. ألتهم الكتب لمجرد التهامها. ألخص كتاباً لإميل توما عن تطور القضية الفلسطينية. أستعير الكتب من مكتبتي الثقافة و النور و الهلال الأحمر ببطاقتين ليستا لي. أضع خريطة لبيروت, كانت ملحقاً لمجلة البيادر السياسي, على الجدار الذي يستند عليه سريري. كلمات جديدة تضاف إلى قاموس مفرداتي: المتحف, المدينة الرياضية, خلدة, الأوزاعي, المطار, الطريق الجديدة. استمع إلى فريدة الشوباشي في راديو مونتي كارلو. سيلك كات "Silk Cut"  نكهة أكثر و نيكوتين أقل. تبدو المذيعات و كأنهن يرقصن بأنوثة فائقة على أثير مونتي كارلو. أقرأ كتيبات عبدالله عزام و فتحي يكن في المسجد. أتعرف على سوهارتو و سوكارنو. يتابعون أخبار كأس العالم في المسجد. يتناقشون عن شرعية التقاط الصور الفوتوغرافية؛ يتفقون أن الشرع يتيح التقاط الصورة الشخصية لبطاقة الهوية فقط.


لا أشارك في التظاهرة الأخيرة في المدرسة الإعدادية. لم أكن أعرف إن كانت ضد زيارة جيمي كارتر إلى غزة و استقبال رشاد الشوا له أم أنها كانت تتعلق باغتيال مسؤول فلسطيني  في ليشبونا. الإضراب اعتراضا على زيارة كارتر يشل الحركة في المدينة. أدخل إلى المدرسة. أجلس مع مدرس الرسم في مرسم المدرسة. كانت علاقتي قد توثقت بعد أن استشرته عن رسم لي خططته على فرخ بريستول. كان مجرد تقليد لدراسة لجسد ذكوري عاري ممد على الأرض. كل  أضفته هو أن جعلت من الوزرة, التي يلتف بها حوض الجسد, على شكل كوفية و أخرجت غصن زيتون من يد الجسد المسجى و أضفت نقاطاً من الدماء تناثرت على الأرض. مدرس الرسم يرتدي بدلة زيتية لا يغيرها و لا يتخلى عن شنطة السامنسونايت. يفتح الشنطة و يخرج منها ألبوماً للصور. يريني لوحاته التي رسمها بالزيت. يتحدث عن عصام السرطاوي بإعجاب.


أنهي المرحلة الإعدادية. يزداد حذري و انتباهي. أشعر بالريبة من زميلي في المدرسة الذي يحمل إسم جيفارا غزة لمجرد أنه ابن أخيه. أواظب على دروسي و قراءاتي. أبحث عن نفسي في الرسومات و في الكتابات المبتسرة. أتفادى الطرق التي يمر منها الجنود. أنشر ما تخطه يدي في جريدة الميثاق التي كانت تصدر مرتين في الأسبوع بإسمي الأول. تمر السنوات الثلاثة في المدرسة الثانوية. أستمر في الحذر. تشاء الأقدار أغادر للخارج. أغيب ثماني سنوات. لم ترصف الشوارع الترابية بالأسفلت, لكن الأزقة النائية أنتجت مفردة جديدة تضاف لقواميس لغات العالم.


أمضي ثمان أعوام بعيداً. أعود. أمضي ثلاث ساعات و نصف في الطائرة. تهبط الطائرة في مطار اللد. أمر عبر بوابات المطار بسلاسة لم أتوقعها. أنتظر حقائبي. أستلم حقائبي. لم يكترث أحد بهبوطي في مطار بن غوريون. من كانوا يمثلوننا هبطوا هبوطاً إضطراريا في غزة و أريحا قبل بضعة أسابيع. لم تنتظرني وحدة من البوليس لاعتقالي. لم يحاكمني أحد سواء على أفكاري التافهة أو تلك المهمة. لم يكترث أحد بمجلات الحائط التي كنت أرصعها بالرسومات و  بالجمل الثورية. لم يكترث أحد بكل تلك الرطانة الثورية. أستقل سيارة أجرة إلى إيريز. أستقل سيارة أجرة أخرى إلى البيت. أشاهد شاحنات تحمل مواسير ضخمة للصرف الصحي. البنك الدولي و شعاره مثبت على  يافطات تحملها الشاحنات.


أمضي أيامي الأولى في البيت. أخرج من البيت لأجوب شوارع المدينة. حواريها و أزقتها. المدينة كبرت على عجل. كتل جديدة من الحجارة و الأسمنت غزت الشوارع الترابية و الإسفلتية . لون رمادي  يكسو المدينة. البيوت شيدت على عجل بدون أن يتم طلاءها. الشعارات تملأ الجدران . أمشي على قدماي مستكشفا المدينة. أقرأ الشعارات على الجدران الرمادية. أبتعد عن مركز المدينة. أقترب من بيتنا.



يطالعني اسم نشأت. أري عيون نشأت الساخرتين و الذكيتين. أقرأ اسم نشأت. حماس تعلن عن تصفية العميل نشأت أبو ... و أقرأ اسم نشأت كاملاً. أتوقف قليلاً. أمشي. أمشي قليلاً. يطالعني اسم نشأت مرة أخرى. تنثر الغمازتان الطازجتان الخارجتان من خديه بهجة ملوثة في الهواء. الجهاد الإسلامي تنعى الشهيد نشأت أبو ... و أقرأ اسم نشأت كاملا مرة أخرى. و أقرأ اسم نشأت مرة ثالثة. حركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" تدين اغتيال نشأت. و أقرأ اسم نشأت كاملاً مرة أخرى و أخرى. و يبقى نشأت أيقونة من أيقونات صباي المبكر.










   

16‏/08‏/2015

تناقض

لا ورق و لا كتابة .. لا أصدقاء و لا شيء .. غياب كامل عن الدنيا : عن نشرة الأخبار , عن ورق الجريدة , عن الشعارات التي سأمناها , عن أولائك الذين تأكدت من خياناتهم, عن كل شئ ... أوغل في اليومي , و أغيب عنه تماما .. شتاء 2011 و ربيعه المزعوم منحني العزم لأمشي مرفوع الهامة في مواجهه فولاذ المؤسسة. أخرج منتصرا - أو نصف منتصرا - في مواجهة كافكاوية مع المؤسسة, التى أكتشف أن قدرتها " قوتها" على سحق البشر لا توازيها و لا تساويها أية قوة. أكتشف أن النصر يخفي خلفة خيبة أمل. سحقتني المؤسسة. صرت عاجزا عن أي شيء إلا أن أكون نفسي. صرت مؤمنا ببذاءات نجيب سرور , صرت كافرا بكل شيء: بالقادة, بالشعراء, بالنخبة " المنتخبة" و " الغير منتخبة" , بذاتي و بالأخرين , بالمنبوذين و بالبؤساء .. لكن بالرغم من كل شيء , ها أنا قادر على التنفس و على اللامبالاة المزمنة , قادر على الإيمان بالبسطاء و بحكمتهم , قادر على الأستمرار بالإيمان بالوصايا العشر .. قادرعلى زراعة وهم بعيد المدى , حلم يقظة بعيد المنال, قادر على كتابة أشياء غير مفهومة , قادر على الهذيان كالمصاب بحمى الأمل.. قادر على التناقض مع ذاتي و الأخرين .. قادر على قتل نفسي بالسجائر و السكاكر ... قادر على و عاجز عن الهذيان و الحياة ... فطوبى للهذيان و طوبى للحياة..

03‏/07‏/2011

حنين

أحن إلى الحرب . أعرف أنها فكرة مجنونة . أعرف أنها لن تروق لأحد. إنها ليست مازوخية و لا غرام بالعدو. إنها وقفة مع الحقيقة و رغبة في الحملقة في المرأة لا لتضخيم النرجسية و لكن لنفض غبار الشعارات عن بشاعة الواقع اليومي.
قد تكون هذه الفكرة هي السبب الذي جعلني أصمت لأكثر من سنتين بعد الحرب خجلاً منها؛ نسيت كلمة المرور لكني لم أحاول جديا في استعادتها, و عندما حاولت كان أمر استرجاعها سهلاً للغاية.
هي الفكرة التي كانت تلاحقني في كل لحظة, فبعد الحرب أيقنت أننا نعيش في "بلد الأوغاد" و أن هذا البلد ليس سوى " تواليت عمومي " محاصر.
في الحرب كان كل شيء واضح. أنظروا إلى الصورة , كأنهم نائمون بدون أي قلق ؛ المرأة لم تحتضن طفليها فطغيان النوم أقوى من الأمومة؛ تظهر البنت الصغيرة نائمة على جانبها- في تشكيل موفق لخيال فنان- و الطفل على ظهره و شيالة المشرحة هي إطار اللوحة؛ الألوان المائية جاءت رشيقة بالأحمر على الغطاء و لمسات فرشاة الزيت بالقرمزي تمنح الوجوه خشونة الحدث الذي باغت الحياة لينفيها؛ و يبدو أن دافينتشي أستدعي على عجل ليمنح المشهد ملائكية الجويكندا.
في الحرب كان كل شيء واضح. لم يتحرك الصليب الأحمر رغم أنه سمع النداء؛ لم يفكر القتلى بالمساعدات؛ كان الجنود يتركون دمائهم و أدميتهم في البيت قبل انتعال البساطير؛ كان رئيس الوزراء مقيما في قسم الولادة ليكتب خطاب نصر دم الشهداء على شبح التكنولوجيا؛ كان المقاتلون يهربون من قسوة الحياة إلى الشهادة بدلاً من الموت في قارب مبحر نحو الشمال؛ كنا نصغي لصدى الإنفجارات القريبة عبر إذاعات الإف أم سعيا لتفسير مقنع لبقائنا على قيد الحياة؛ كان العالم يتسلى بمتابعة دمائنا و الجدال عن الجلاد و الضحية في أعياد رأس السنة؛ و كانت أدميتنا و الحياة هي أغلى ما امتلكنا.
في الحرب كان شيء واضح. تركنا بيوتننا؛ لزمنا بيوتننا؛ عدنا لما قبل هذي الحضارة الغبية؛ خفنا؛ قلقنا؛ هزمنا؛ انتصرنا؛ أكلنا و جعنا؛ عشنا و متنا؛ .....................

أحن إلى وضوح الحرب.

12‏/02‏/2009

عادوا .. عدنا



عادوا..

من آخر النفق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا

حين استعادوا ملح اخوتهم، فرادى أو جماعات،

وعادوا من أساطير الدفاع عن القلاع إلي البسيط من الكلام

لن يناموا، من بعد، أيديهم ولا راياتهم للمعجزات اذا أرادوا

عادوا ليحتفظوا بماء وجودهم، ويرتّبوا هذا الهواء

ويزوّجوا أبنائهم لبناتهم، ويرقّصوا جسداً توارى في الرخام

عادوا على أطراف هاجسهم إلى جغرافيا السحر الإلهي والى بساط نور في أرض التضاريس القديمة:

جبلُ على بحر؟

وخلف الذكريات بحيرتان،

وساحل للأنبياء

وشارع لروائح الليمون. لم تُصب البلاد بأيّ سوء.

هبّت رياح الخيل، والهكسوس هبّوا، والتتّار مقنّعين

وسافرين، وخلّدوا أسماءهم بالرمح أو بالمنجنيق..

وسافروا

لم يحرموا ابريل من عاداته: يلدُ الزهور من الصخور

ولزهرة الليمون أجراسٌ، ولم يُصب الترابُ بأي سوءـ

أيّ سوء، أيّ سوء بعدهم. والأرضُ تورثُ كاللغة.

هبّت رياحُ الخيل وانطفأت رياحُ الخيل، وانبثق الشعير من الشعير

عادوا لأنهم أرادوا واستعادوا النارَ في ناباتهم، فأتى البعيدُ

من البعيد، مضرّجاً بثيابهم وهشاشة البلور، وارتفع النشيدُـ

على المسافة والغياب. بأيّ اسلحة تصدُّ الروح عن تحليقها؟

في كل منفى من منافيهم بلادٌ لم يصبها أي سوء..

صنعوا خرافتهم كما شاءوا، وشادوا للحصى ألقَ الطيور

وكلما مروا بنهر... مزّقوهُ، وأحرقوهُ، من الجنين..

وكلمّ مرّوا بسوسنة بكوا وتساءلوا: هل نحن شعب أم نبيذٌ

للقرابين الجديدة؟

يا نشيدُ! خذ العناصر كلّها

واصعد بنا

سفحاً فسفحاً

واهبط الوديانـ

هيا يا نشيدُ

فأنت أدرى بالمكانِ

وأنت أدرى بالزمانِ

وقوّة الأشياء فينا..

/