19‏/03‏/2019

سبعة مارس. إضراب المدارس.


سبعة مارس. إضراب المدارس. نكسب أسبوعا أخرا من التغيب عن المدرسة.إجازة أخري للربيع مباشرة بعد إجازة الشتاء الطويلة نسبيا. لا نعرف يالضبط سبب هذا الترف الإضافي.

بعد عدة أيام من إعادة إنتخابه للرئاسة الأميريكية, أيزيناهاور يؤكد علي ضرورة القضاء على نتائج العدوان الثلاثي. الإنجليز و الفرنسيون يعودون لإضاءة أشجار الكريستماس في البيت. الخوذ الرزقاء تحتفل برأس السنة في بورسعيد و في السويس. العالم تغيير, اصبحت الإمبريالية أعلي مراحل الرأسمالية و الإشتراكية معا.

تحدثني أمي عن نجاة جدي من موت محقق في حي الزيتون , و هي في عمري في ذلك الوقت. و تحدثني غزة, و هي لا تعرف الحبر, عن عزمها كتابة يوميانها.

بن غوريون يراوغ حول الإنسحاب من شرم الشيخ و غزة. بن غوريون لا يفك الحبر السري لرسائل أيزينهاور. أصابع بن غوريون مبللة بدم أكثر من ألف شهيد قتلوا بدم بارد في أماكن كرفح و خانيونيس و حي الزيتون و المغازي, غير الجنود المصريون الذين بلعتهم الصحراء.غولدا مئير تخبر الجمعية العامة في نيويورك أن " المشمار كفول" سيعودون من نزهتهم إلى البيت بعد أسبوع.

وبعد أسبوع في السابع من مارس , تخرج غزة عن بكرة أبيها لتتنفس هوائها الطلق في شارع عمر المختار . الوحدة الدنماركية تقتل فتى انتزع علم الأمم المتحدة من فوق السرايا. و غزة التي لا تعرف الحبر تأتي باللواء محمد حسن عبد اللطيف إلى السرايا, بينما تتمركز الوحدة الدنماركية في قطعة أرض خالية مقابل السرايا تبرعت بها محسنتان من عائلة أبو خضرة لبناء مستشفى.

و غزة , التي لا تعرف الحبر، تنسى أن تكتب اسمها و تكتب فلسطين بدلا منه. و غزة التى تحفظ الدرس، تعلمت أن الغزاة يرحلون و لو بعد حين. و يكون أن تكبر غزة على الدم، و يكون أن تكبر على البؤس، و يكون ألا تعرف غزة إلا البؤس ، و يكون أن يعود الغزاة بعد حين ، و يكون أن يتيه الجيش في الصحراء مرة اخرى. و غزة التي لا تنسى الأسكندر الأكبر لا تهمل الدرس، فالغزاة هنا طارئون و إن طال مكوثهم.

سبعة مارس ، اضراب المدارس. المدارس تعطل أسبوعا كاملا و غزة تحفظ الدرس. غزة التي لا تعرف الحبر, لا تكتب بقلم الكوبيا و لا بقلم الرصاص. غزة تكتب بالبارود في المخيم. غزة تكتب بالرصاص في المدينة. غزة تكتب بالطباشير و بالستناسيل في مدارس البنات. غزه تكتب بمطبعة الرينو التى جلبها معين بسيسو من بغداد في مدارس البنين . غزة لا تنتظر لا نيكولاي بودغورني و لا ديوايت ايزينهاور لتحيا، غزة تحيا على مخلفات الجيش المصري و بقايا جيش التحرير الفلسطيني لأربع سنوات كاملة.

سبعة مارس ، اضراب المدارس. الإشاعات لا تنقطع عن شواهد القبور التي تتحرك ليلاً في البرية المقابلة للمستشفى الإنكليزي . اتعرف في الصف الاول الابتدائى على محمد الاسود. محمد يحدثني عن حيفا, و أنا احدثة عن المجدل. اكتشف أن محمد يسكن غير بعيد عنا في بيت قديم ايل للسقوط بطبقتين و بغرفتين. يخبرني عن بيتهم المهدوم فى مخيم الشاطئ . لم اكن اعرف ان لا فرق بين بيت ايل للسقوط و بيت سقفه من القرميد. يحدثني محمد الاسود عن عمه جيفارا غزة و رفيقيه عبد الهادي الحايك، وكامل العمصي.

سبعة مارس، اضراب المدارس. شارون جرف شوارع المخيمات الضيقة لتتمكن ناقلات الجنود من التحرك. إسرائيل قضت على المقاومة. لم يبقى في غزة سوي جيفارا غزة و رفيقيه و بضعة عشرات الألاف من الخلايا النائمة. الطائرات المروحية تحلق فوق مستشفى الشفاء. يمر يومان على إجازة الربيع. الجيبات تحاصر محيط المستشفى. موشيه دايان يأتي لغزة ليتأكد أن جيفارا و رفيقيه لن يعودوا ليحكموها فى الليل. لم ينتبه دايان أن التراب ما زال يحتضن آثاراً لم ينهبها بعد و أن سبعة و سبعين ألفا و خمسمائة و نيف من الخلايا النائمة أفلتت من بين يديه.

سبعة مارس : أضراب المدارس . لم يكترث أحد بيوم المرأة العالمي. تلد أمي أخي الأصغر. يأتون ليهنؤننا بميلاده و بسلامتها. لم أكن قد بلغت العاشرة بعد. أعد لضيوفنا الشاي و أقدمه لهم . أخشي أن تسقط صنية الشاي من بين يديي. أنظر إلى الصندوق الخشبي بالأبيض و الأسود. إحدي عشر كوكبا يركبون البحر. لم نكن نعرف أن دلال كانت نجمة بين الكواكب. إهتزت البلد كاملة . مروحيات الهليوكابتر تمشط الغابات. القوارب تبحث عن زوارق زودياك مطاطية أخري في المتوسط. العمال لم يذهبوا إلي إسرائيل خوفاً من الإنتقام. عيزر وايزمان إرتدى خوذته العسكرية و إجتاح نهر الليطاني. لم ينتبه أحد أن أحد الشباب, الذين ركبوا البحر , ولد في خانيونيس بعد أربع سنوات من إعدام 275 شابا, و وجوههم إلى الحائط, في نفس المدينة.

سبعة مارس: لم تعد المدارس تعطل في هذا اليوم من السنة. الأولاد يذهبون إلى السلك. اللجنة العليا لمسيرة العودة و فك الحصار تشارك في المفاوضات حول إدخال الرواتب و التهدئة.



من أجل أربعة عشر دونما في القمر


و انا ايضا مثلك، انا لم افكر يوما في ترك البلد. انا مثلك تماما لم ارى نفسي في أسوأ كوابيسي مهاجرا بعيدا عنها.
كيف لي أن أترك البلد, و انا من كان يحرس المستشفى من الصراصير و الاوبئة،عندما كان حراسها يشربون القهوة في مكتب المدير الذي عُين بناء على تزكية اخية, سفيرنا في القاهرة. و انا الذي كان يداوي المصابين باستسقاء الرئة و الذبحات الصدرية عندما كان اخصائي القلب يقوم بزياراته التي لم تنقطع لمديرعام الوزارة ليناقش معه كتاب الرئيس بتعينه مديرا عاما للتخطيط في وزاره كان بها أكثر من مائه مدير عام.

انا مثلك تماما، لا اريد أن اهاجر الى بلاد لا تتكلم العربية، و لا اريد ان أسير فى شوارع لا اسمع فيها اغاني ام كلثوم. و لا اريد مثلك تماما أن أبتعد عن رائحة الفلافل و لا عن منظر نساءٍ خلفهن جيش من الأطفال. انا مثلك تماما اخشي من نظرات الأوروبيين لغطاء راس زوجتي و لبشرة بنتي السمراء و للكنتي الواضحة.

انا مثلك تماما، انا منحت هذه البلد عمري و شبابي و احلامي و عضلاتي و جنوني و فكري. لكن هناك فرق بسيط بيني و بينك، انا لم افكر يوما مثلك أنني كنت امنح البلد شيئا. انا كنت و ما زلت ساذجا جدا لدرجة أنني لم أنتظر منها شيئا. انا قضيت خمس سنوات في السجن و تعلمت و تخرجت و انتظرت أشهرا بل سنوات لاحصل على وظيفة، بينما انت حصلت على الوظيفة بتزكية من واسطتك أو بفضل كتاب رفعه فصيلك الى السيد الرئيس. انا كنت احمد الله على الوظيفة التى حصلت عليها بعد عناء، بينما كنت انت تواصل سعيك الحثيث عبر شطارتك و عبر الفصيل و الشلة و شبكه علاقاتك وعلاقات علاقاتك للحصول على درجة مدير أو مدير عام و واصلت نضالك حتى حصلت على سيارة الباسات و البدلات المضافة لراتبك.

انا مثلك تماما، لا اريد ان اركب المترو و لا اريد ان أواجه صدمة ثقافية برؤية الشقراوات بالشورت و هن يشربن البيرة البلجيكية على أرصفة شوارع أنتويرب. لكن هناك فرق بسيط بيني و بينك. انا رجل عادي بسيط لا يهتم به أحد، و لا يحسب الأمن الداخلى حسابا لة أو لرد فعل فصيله أو لتغطية وسائل الإعلام للحدث عندما يستدعيه للتحقيق حول نكته تافهة نثرها في الفضاء أو بوست سخيف شاركه على الفيس بوك. نعم انا رجل بسيط، بسيط جدا بالرغم من كل شئ، فأنا لن استشير اي عضو في المكتب السياسي لفصيلي عندما ساذهب غدا للاحتجاج في الترانس كما لم افعل ذلك عندما فعلت الشئ نفسه قبل سنتين في نفس المكان.

انا غيرك تماما. انا لم اشتري ربع دونم في الزوايدة أو في التوام أو في الشيخ عجلين، و لم أسعى لذلك. و لم احصل على قطعة أرض بكتاب من الرئيس ايام فتح و على قطعة أخري من سلطة توزيع الاراضي ايام حماس، و لم أسعى لذلك. أنا لم استثمر لا في شاليه و لا في شقة. انا اكتفيت باوراق الطابو لمائتين و تسعة و ثمانين دونما نجت عندما إضطر جدي ترك بلدتنا الأصلية. انا اكتفيت بالحلم بحصتي في ملكية اربعة عشر دونما في القمر.

انا غيرك تماما، انا لا اريد مثلك شارعا بحفر و قاذورات و بقطط نافقة لانني اعرف تماما ان ثمن هذه البشاعة هو بيوتكم الفخمة. انا لا اريد مثلك أن أقول أنني لن اهاجر بينما ابعث اولادي إلى اوروبا و كندا و أمريكا و أستراليا ليحتكوا بالحضارة، و أردد وراء جبران خليل جبران أن " اولادكم ليسوا لكم , اولادكم هم أبناء الحياة" .

انا غيرك تماما، انا هو الذي سرقت انت منه ورقته, التي قضي يعمل عليها شهراً و نصف, ثم وضعت انت اسمك بسهوله عليها، لتضيف إنجازا بسيطا جدا الى رصيدك الضخم من الانجازات و المآثر التي لا تنتهي , فانت احدث عضوإلتحق بالمجلس المركزي مع انضمام احدث فصائل منظمة التحرير اليها، و انت اخر عضو فى مجلس الشوري تم انتخابه في اخر مشاورات للحركة، و انت أحد المتحدثين الرسميين الذين باتوا يظهرون على شاشات الجزيرة و العربية و الميادين ليتحدثوا باسم الحركة بعد مؤتمرها الأخير ، و انت عضو المكتب السياسي للنجمة الحمراء و البندقية، و أنت الشخصية البارزة في المنظمات الأهلية , و انت عضو اللجنة العليا لمسيرة العودة و فك الحصار و انت ، و انت, و أنت ...

اما انا، فأنا غيرك تماما، انا الان في الاربعين ، انا الان في الخامسة و الاربعين، انا تجاوزت الخمسين ، انا قاربت على الستين، ... انا قاربت على الجنون ..انا اوغلت في الجنون..

انا غيرك تماما، انا سافرت من معبر رفح... انا لست مثلك حتى استخدم علاقاتي للحصول على تنسيق من حماس و من المصريين و من السلطة و من الإسرائيليين عندما أسافر عن طريق المعبر أو الجسر. انا دفعت رشوة... نعم دفعت رشوة فهل يستطيع أحد أن يخرج من غزة بدون أن يدفع رشوة..

انا الان في اسطنبول.... انا الان في سفينة بين تركيا واليونان.... انا الذي أقاموا له بيت عزاء في الشيخ رضوان و قالوا انه شهيد الخبز بعد أن غرق في طريقه من عنابة الى اسبانيا... انا اقبع الان في حجز مطار بروكسيل.. انا انتظر الان قرارا بخصوص طلب لجوئى للاتحاد الأوروبي.... انا الان في معسكر في إيطاليا.... انا الان في غرفة في اندرليخت لحين حصول اسرتي على تأشيرة من السفارة البلجيكية .... انا الان في امستردام، انا الان في اثينا، في كوالالمبور ، أنا مستقرالأن مع أسرتي في الصقيع في أوميا , أنا أسوي وضعي مع الحكومة السويدية في مالمو ... انا الان في شارع الترانس في معسكر جباليا ، في مخيم يبنا في رفح , في النصيرات ،في السلطان ، في بيرالنعجة، في جحر الديك ، في شارع البحر بجوار بيتك في خانيونيس .... انا الأن في الدرج أو في الشجاعية و الزيتون ....انا الذي تؤشر انت الان باصبعك نحوه و تردد الجملة التي تحفظها عن ظهر قلب بسخرية " الوطن ليس فندقا نتركه عندما تسوء فيه الخدمة" . انا الذي قدم طلبا للحصول على جواز سفر من رام الله للسفر في أقرب فرصة إلى الخارج؛ انا الذي هاجر من البلد ؛ انا الذي يحلم بالهروب من البلد حتى يستطيع أو يستطيع أبناءه الحفاظ على الأربعة عشر دونما التي يمتلكها على سطح القمر








24‏/02‏/2019

الماركسية و الشاى و السجائر.

قبل قليل قرأت عن الرجل الذي أعرفه بشواربه الكثه و طبعه الحاد، كنت ابادله الود لكنني لم اكن أعرف عنه أنه عندما كان في السجن كان يحب الماركسية و الشاي. تذكرت أنني ايضا كنت مثله احب الماركسية و الشاي.

قبل أن تقلع طائرتنا من مطار لارنكا ، اشتريت من نيقوسيا علبة سجائر "سيلك كات" واحدة و مجلة " بيروت المساء" و مجلة أخري لم اعد اذكر اسمها; قد تكون مجلة "اليوم السابع". في الطائرة المتوجهة الى موسكو رسمت بورتريه لمحسن ابراهيم قائد القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة قبل اجتياح بيروت. المهم انني اصبحت رسميا بعد ذلك مدخنا. دخنت كل انواع السجائر و اصبحت احب الماركسية و الشاى و السجائر.

قبل خمسة عشر عاما في الصيف, اكتشفت انني مصاب بداء السكري. صرت اختلى بنفسي في غرفة الاستراحة في الجامعة في مينيابوليس أثناء الإجازة الصيفية و ابكي بعيدا عن أعين المترددين القلائل على الغرفة. واصلت ذلك لاسبوعين ثم انصعت لنصائح خبيرة التغذية. اصبحت اضع السكرين بدلا من السكر على الشاى. لم يرق لى السكرين و لا كل بدائل السكر مع الشاي. لم اعد احب الشاي. صرت اكثر من شرب القهوة المرة بكل انواعها بديلا عن الشاى. لا استغنى عن القهوة المرة و لكنني لا احبها كما كنت احب الشاي. القهوة مرة مثل الحياة. واصلت حبي للماركسية و للسجائر بدون شاى. قبل أربعين يوما أقلعت عن التدخين و ما زلت احب الماركسية و افتقد الشاي و السجائر و الزمن الذي كان فيه عبد الله ابو العطا و غيره الكثيرون يحبون الماركسية و الشاي في السجن.



10‏/12‏/2018

أربع و عشرين ساعة في غزة.


الأخبار من دمشق الساعة السادسة و الربع صباحاً. بعد ربع ساعة الأخبار من أورشاليم القدس تملأ الفراغ الذي تركه أحمد سعيد. فؤاد المهندس يقول كلمتين و بس. "الدنيا هي الشابة و إنت الجدع" في إذاعة الشرق الأوسط من القاهرة. . صوت الراديو يقتل عصافير أول الشمس. تنافس ثمانية أشخاص على حمام واحد يغتال سكينة الصبح, رائحة النشادر المخففة تقضي على احتمال الياسمين. سياط الصباحات الباكرة يفسد الندى.
زهر الحنون الأصفر النابت على هامش أشجار السنط هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه الزهر جمالا في هذا الحي . تزحف غابة الأسمنت لتحتل بقايا بيارات البرتقال . " المجنونة " أحمر بلا رائحة يزين الأسمنت و مداخل البيوت. لا مكان للياسمين في حي يعبق برائحة قلى الفلافل صباحاَ. القريص ينمو أسفل أشجار ألأكاسيا التي تسييج البيارة المقابلة للمدرسة الابتدائية التي تغدو مدرسة تضم كل الصفوف حتى نهاية الثالث الإعدادي لاحقاَ.
المدرسة بساحتها الفسيحة و أشجار الكينيا تمنح المشهد نوعا من الجمال في مدينة فقيرة كدنا أن نختزل فيها الوطن. هنا لا شقائق نعمان و لا بلابل .الثانوية هي الطريق الطويلة و الجديدة بعيداً عن محيط البيت و الحارة. بعيداً عن مدارس الوكالة.
أخترق وسط المدينة و عيوني على أجساد الفتيات . تنانير الزي المدرسي بقماش الكاوبوي الأزرق , قصيرة أو طويلة , مفتوحة من الخلف أو مغلقة. مؤخرات تتمايل مع حركات الأقدام إلى الأمام. صدور نافرة أو منكمشة. وجوه الطالبات لا تخلو من الجمال في هذا العمر.
كان للثانوية أن تكون مرحلة جديدة, لكنها لم تكن. سياط الصباحات ما زال يلاحقني. تصميم بناية المدرسة الثانوية الحكومية تمنح المدرسة كآبة افتقدناها في مدارس الأنروا. قطعة من الأسمنت و الخرسانة محكمة الإغلاق. لا مكان لأشجار الكينيا في الفناء و لا للشمس في المبنى الإسمنتي . الطلبة يأتون من كل أحياء شرق المدينة. قدرتي على التأقلم محدودة . بقايا زملاء من المرحلة الإعدادية السابقة يغيثون وحدتي. أحاول أن أبقى صامتاً. الحيطان لها آذان تسمع. الخفافيش تعشعش داخل أسوار المدرسة الثانوية أثناء الإجازة. تتساقط أوراق منسوخة بالكربون أو على ورق ستناسيل من أعلى سطح بناية المدرسة. لجة يتبعها جرس المدرسة الذي يعلن مستعجلاً بداية يوم جديد.
****
مناحيم بيغين يستقيل قبل أن يتزحلق في الحمام. ياسر عرفات يعود إلى مخيم البداوي بعد خروجه من بيروت و طرده من دمشق. حركة التوحيد الإسلامي بقيادة الشيخ سعيد شعبان تطارد الشيوعيين في طرابلس. إسحق شامير يتسلم رئاسة الوزراء. طالب من أنصار المجمع الإسلامي يعتدي بسكين على مدرس الفيزياء الأحمر. يدعون أن وجهه يميل إلى الاحمرار من كثرة شربه للخمر و السجائر. أبو علي شاهين يقضي إقامته الجبرية في الدهينية. نمشي منتبهين في طريق عودتنا من المدرسة. كشك صغير لبيع السجائر و المطبوعات و أوراق اللوطو . ساحة التاكسيات تستضيف الجنود. موسيقى فرقة العاشقين تصدح عالية من بسطةٍ لبيع الكاسيتات : "اشهد يا عالم علينا و ع بيروت, إشهد ع الحرب الشعبية". ينقطع الغناء. صراخ الشيخ كشك يخرج من المسجل. أشعر بالتوجس من باعة الجرائد و أشرطة الكاسيت.
****
يخرج بعض الطلاب إلى الشارع. يشتعل الكاوتشوك. يلوذ الطلاب بمبنى المدرسة. كنت في الصف عندما اقتحم الجنود المدرسة. الأستاذ الذي تخرج حديثاً يقف وسط الصف بهيئته البهية. يدخل عسكري بسحنة حنطية و ملامح شرقية إلى غرفة الصف. ينظر إلى الطلاب كأنه يبحث عن فريسة. يتوجه إلى محمد الذي كان يجلس في المقعد القبل أخير في الصف الأوسط للمقاعد الخشبية. ينقض العسكري الضخم على محمد. يمسكه من الخلف. من ياقة قميصه. يدفعه بعنف إلى خارج الغرفة. يمتزج الصمت مع الخوف و الترقب. يدخل الجنود غرفة الصف المستباحة فرادى أو بالمثنى. ينظرون إلينا. يبحثون عن فريسة جديدة. يتقدم مني جندي. يطلب بطاقة هويتي. أخرجها من جيب قميصي حيث كانت ترقد. يصادر البطاقة و يأمرني أن أذهب . لا أعرف إلى أين أذهب. أخرج من غرفة الصف. أمشي في الكاريدور المظلم الذي يفضي إلى الصفوف. جنود يمسكون بعض الطلاب و يعنفونهم. أتذكر أحد أقاربي الذي كان يسمى نفسه أبو لهب عندما اخذوه من المدرسة و احتجزوه يوما كاملاً ليتلقى الضربات بالهراوات على رأسه. جنود يتخايلون في الممر. طلاب يذهبون إلى سبيلهم. أمشي خلفهم. أجد نفسي في فناء المدرسة.
****
سيارات عسكرية و جنود في فناء المدرسة. يداك على رأسك و رأسك للحائط و ركبتاتك تقرفصان على الأرض. تسمع صوت انفجار مكبوت خافت يتكرر بشكل رتيب. يقترب صوت الانفجار المكبوت منك. يقترب أكثر فأكثر. لا تسمع الصوت هذه المرة. الشلوط يهوي على مؤخرتك . تتوالى الركلات على مؤخرات زملائك المرتصين حتى أخر الطابور الممتد على جدران المدرسة الخارجية.
لحظات صمت. تسمع صوت توضيب البنادق. تتذكر ما سردته أمك عن أولائك الذين تم رشهم بالرصاص و أيديهم إلى الحائط عام 1956. لوحة غويا تتسلل خلسة إلى عيناك المحاصرتين بيداك المسنودتين إلى الحائط. يداهمك الرعب. تتسارع ضربات قلبك. تنصت إليها. يقطع هدير محركات السيارات صوت ضربات القلب المتسارعة. صوت الناظر المتماسك يصعد فجأة بلطف شديد" قوموا إقفوا ياشباب". لا تصدق نفسك. تتثاقل بالوقوف بعد طول القرفصة على الأرض و إسناد الأيدي التي كانت تحاصر العينيين إلى الجدار " المرشوق" بالشلختة . الساحة خلت من السيارات العسكرية. سيارة بيضاء يتيمة في ساحة المدرسة.
الناظر يقف مع عسكري في الخمسين من العمر و يتحدث معه. ينظر الناظر إليك و يؤشر نحوك و هو يتحدث مع العسكري الكهل. تتوجس. ترتبك. تتريث في المشي, و كأنك تنتظر أن يطلب منك الناظر التوجه نحوه. يفهم الناظر. يؤشر لك بالذهاب. تصعد إلى غرفة الصف. إعتقلوا محمد الذي صادوه من غرفة الصف, و تعرف أن صاحبك حسام قد أعتقل أيضاً مع أخرين. تفهم فيما بعد أن الناظر كان يتحدث مع الضابط عنك كنموذج لطلاب عوقبوا بشكل جماعي, و تفهم أنك و أكثر من أربعين طالبا من زملائك الذين لم يتم اعتقالهم يتوجب عليكم التوجه إلى مقر الحاكم العسكري في المجلس التشريعي لاستلام هوياتكم.
***
نخرج جماعات. أجد نفسي مع مجموعة لا تقل عن عشرة طلاب. نسير سوية مشيا على الأقدام. يتساءل بعضنا عما قد يحدث لو أوقفتنا إحدى دوريات الجيش , التي تجوب الشوارع, و سألتنا عن بطاقات هوياتنا. كانت إجابة أحدنا , أحد الطلاب مقنعة: سينقلوننا مجاناً إلى مقر الحاكم بجيب عسكري. كان أقصى ما يمكن أن يفعله الجنود و دورياتهم الراجلة عند توقيف أحد الشباب الذين يمشون في الشوارع و لم يرتاحوا لشكله هو أخذ بطاقة هويته , ضربه بضع ركلات و صفعه بضع صفعات على الوجه, و الترويح أحيانا عن أنفسهم بالإهانات و بالمزاح الثقيل, الطلب منه بمراجعة الحاكم العسكري. كم كان الجنود رحماء في تلك الأيام .
مشينا .. وصلنا إلى ساحة المجلس التشريعي, بعد أكثر من نصف ساعة من ترويض أرواحنا المرهقة بالمشي ومداواة قلقنا بتبادل أحاديث لا علاقة لها بالحدث, و كاننا نبعد عن أن أنفسنا شبهة القلق أو لأننا كنت نشك في بعضنا الأخر. كنا أخر دفعة من نحو أربعين طالباً تجمعوا في ساحة المجلس التشريعي.
يحضر أبو صبري , الضابط الإسرائيلي المعروف بتوغله في دهاليز المجتمع الغزي و لهجته الفلسطينية و الذي عرف لاحقاً بحكايته مع الشيخ أحمد ياسين. تجمع الطلاب حول أبو صبري, ينتقي مجموعة من الطلاب لا أدري على أي أساس. لكنني أعتقد أن ذلك تم بناء على قائمة كانت معه أو بناء على بطاقات الهوية التي كانت لديه. كنت بعيدا كعادتي. لم أفهم ما كان يجري تماماً.

• جماعة أبو عمار يجوا معي و جماعة أبو موسى يروحوا على الجوازات.

كانت سخريته موجعة. مشينا نحن اللذين لم نحظى بتتبع أبو صبري بضع دقائق إلى الجوازات.
***
دخلنا إلى الجوازات التي كان يحرسها الجنود. لم أنظر إلى وجوه الجنود. لم أكن أكره الجنود لكنني كنت أكره لون زييهم الخاكي العسكري, و بنادقهم , و ركلاتهم التي حطت على مؤخرتنا. جلسنا على مقعد طويل تحت معرش زينكو. كنا نحو دزينة أو أكثر أو أقل قليلا من طلاب المدرسة الثانوية. لم أكن أعرف أحداً منهم. كانوا جميعاً أكبر مني. كنت متوتراً بدون أن أظهر ذلك. كنت صامتاً بينما الأخرون يتحدثون و البعض يثرثر بشكل إستعراضي. إكتشفت مدى ضحالة تجربتي و سمعت جملاً و حكماً و أمثالاً لم أسمع عنها من قبل من أفواه أقران في سني أو يكبرونني قليلاً. خلدت إلى نفسي و إلى صمتي و حافظت على إجاباتي القصيرة. الموت مع الجماعة رحمة, كما صرح ذلك الذي يستعرض ثرثراته. الوقت يمضي بطيئاً. إنتظرنا أكثر من أربع ساعات. حان آذان العصر. لم يذهب أحد للصلاة, لا أعرف إن كان ذلك متاحاً , أم أنه زمن أخر. كان الموت و الحياة جماعةً أنداك هو عنوان المرحلة, بدلا من طقوس صلواتنا الجماعية التي نؤديها الأن بدون أدنى خشوع.
****
تدخل مقر الجوازات سيارة رينو بيضاء صغيرة.يخرج منها شاب أنيق بقميص أبيض و نظارات سوداء. يقوم بإزالة لوحتها الفضية لتظهر اللوحة الصفراء التي كانت تختفي تحتها. يبدو أنه قام بجولته في أحياء المدينة و شوارعها بدون أن يلتفت إليه أحد. قام بفك البراغي التي تثبت اللوحة الفضية بيده. حضور الشاب الثلاثيني أحدث جلبة في المكان. ننتظر. يبدأ نفس الشاب الثلاثيني باستجوابنا واحداً تلو الأخر. يأتي دوري. أمشي وسط ممر مرصوف بالأسمنت و محاط بالزهور و النباتات الخضراء القصيرة و بجنود بلا بنادق و لكن ببساطير أخاف من ركلاتها.
أدخل الغرفة الضيقة حيث يجلس نفس الشاب الثلاثيني الوسيم صاحب القميص الأبيض و النظارات السوداء, خلف مكتب صغير مستقر في مواجهة باب الغرفة. الغرفة تضج بفوضى عارمة. أجلس على كرسي في مواجهة الشاب بعد أن يشير لي بالجلوس. ملفات مكدسة يعلوها الغبار موضوعة على رفوف على يمين الشاب و على سطح المكتب الذي يجلس خلفه. إضاءة خافتة. باب مغلق على يسار الشاب. خردة. مصباح للقراءة على الرفوف. آله كاتبة مركونة على الرف يعلوها الغبار. غرفة مكتب مهجور لشاب يمارس عمل ميداني في حواري المدينة. كم أحب افوضى و الأماكن المغلقة.

أشعر بالكرة المطاطية المسمطة بين ضلوعي كما أشعر بها الأن و أنا أكتب. يذكر الضابط إسمى متسائلاً. أهز برأسي و أتبع ذلك بإجابة مقتضة بصوت مسموع. يعرف على نفسه باسمه الرمزي/ الحركي. هم أيضا لهم أبواتهم مثلنا. أبوموسى. يسألني عن تاريخ ميادي. أجبته. عن صفي. أجبته. عن إنتمائي السياسي. أجيبه بأن إنتمائي و ما يهمني هو دراستي. تتتابع الأسئلة عما كنت أفعله عندما الإطارات تشتعل في الشارع. أجيبه أنني لم أخرج من صفي طول الوقت. يسألني عن الذين يحرضون و يوزعوا المناشير. أجيبه بعدم المعرفة. يسالني عن مكان سكني. أجيبه. ثم يسترسل في الأسئلة عن مكان سكني بالضبط. كأنه يريد أن يقول لي أنه يعرف كل شبر في الحارة التي أسكن فيها و كل شيء عني. أشعر براحة عندما يقول أن على الحضور مجدداً الساعة العاشرة في صباح اليوم التالي. شعور بالراحة لأن المقابلة إنتهت, و بالخوف و القلق لأن بطاقة هويتي ما زالت لديهم فقد أصير مثل الخيط في المكوك متحركاً ذهاباً و إياباً بين أسرتي في البيت و أبوموسى في الجوازات. خرجت . كان النهار يوشك على الانتهاء. فكرت بمعرفته الدقيقة لمكان سكني. تذكرت أن رقم البيت مكتوب على بطاقة الهوية.
****
أعود إلى البيت. أنام ليلي. نوم متقطع لكنه جميل. أستيقظ صباحا. كسل لطيف بعيداً عن الدوام المدرسي. أذهب إلى الجوازات صباحاً. أجلس مع زملائي في نفس المعرش. لم تمضِ أكثر من نصف ساعة. يحضر عسكري ضخم البنية بسحنة سمراء. نقف عند حضوره و يسود الصمت. يلقى علينا " الطحان" خطبة عصماء قصيرة بلغة عربية متقنة بلهجةٍ مصرية. بيده مجموعة من بطاقات الهوية. يبدأ بمنادة أسماءنا واحداً تلو الأخر. أتقدم نحوه بعدما قرأ إسمي لأستلم بطاقة الهوية. سلمني الهوية بيده اليسرى و صفعني على خدي الأيسر بيده اليمنى. خرجت من مركز الجوازات. شعرت بالمدينة و كأنها خاوية و كذلك روحي.






05‏/12‏/2018

غصنا الزيتون و الكرة الأرضية


تخونني ذاكرتي. لم أعد أذكر إن كنت في صفي الثاني أم الثالث, لكنني متيقن أن المدرسة أصبحت, في ذلك العام, أكثر نصعه و بهاءً. أصبحت أكثر بياضاً.

نخرج من غرفة الصف إلى المعرش المسقوف بالإسبست. نتحرك بنشاط تحدده خيزرانة المدرس و نظراته الصارمة. ندخل المُعَرَشْ. نلتحق ببقايا الطلاب الذين سبقونا إليه . تنظم حركتنا الفواصل الحديدية المطلية باللون " الرسمي" , بالأزرق السماوي الصادم.


نتحرك. أتناول كوبا قديما و نظيفا من الألمونيوم. نصل إلى رجل يرتدي مريولاً أزرقاً غامقاً. يضع الرجل كمامات بيضاء على أنفه و فمه. أمسك كوبي بيدي اليمنى. أمد كوبي المعدني الفارغ نحوه. يملأ الرجل ذو الكمامات البيضاء الكوب بالسائل الأبيض. المدرس بشواربه الكثيفة يضع كبسولة زيت السمك في يدي اليسرى. أرتشف السائل. أشعر بالغثيان. أفرغ السائل الأبيض في أحشائي كمن يتناول شراب السعال الذي توزع عيادة الوكالة.

يسكب بعض أقراني السائل الأبيض على أرضية العرش. يغامرون بتلقي ضربات الخيزرانة على أجسادهم النحيلة. أسكب السائل في أحشائي. أواظب على الغثيان. أبتدع طريقة جديدة للتخلص من السائل الأبيض بدون أن أغامر باحتمال تلقي العقاب. أنظر حولي. أناول الكوب المملوءة بالشراب الأبيض لأول طالب حولي أنهى شرب كوبه. أستلم كوبه , الذي أفرغ محتواه في جوفه, مع كبسولة إضافية من زيت السمك.

يتكرر الموقف في الحصة الأولى من كل يوم. إعتاد على التخلص من السائل الأبيض, حتى يجيء اليوم الموعود.


نخرج من الغرفة المسقوفة بالباطون وراء مدرس الصف. نهرول خلف المدرس الذي تحين فرصة توقف زخات المطر. ندخل المعرش. ألاحظ الفوضى . ثمة لجةً و ازدحاما في المعرش. أرصد أنظار المدرس تتجه نحوي. لم أستطع مبادلة كوبي بكبسولة زيت سمك إضافية. أرتشف السائل الأبيض من الكوب المعدني . أشعر بالغثيان. أرغب بالتقيؤ. تتجه نظرات المدرس نحوي. إرتشف رشفة أخرى من السائل الملعون. يتحرك المدرس بعيدا عني. أصب السائل الأبيض على أرضية الغرفة المبللة بالوحل. أضع الكوب المعدني الفارغ في المكان المخصص. أتممت جريمتي الصغيرة بإتقان محكم. أشعر بنصر صغير.


أفكر في الموقف. أحتار كيف سأتصرف في اليوم التالي. أسأل نفسي إن كان أحداً قد وشى بي للمدرس. يمر اليوم التالي بدون أن يقودنا المدرس إلى المعرش. كان الجو ماطراَ. اعتبرت أن الشتاء كان هو المانع لاقتيادنا إلى المعرش .


تمر الأيام. يتوقف المطر . تشرق الشمس. لم نعد نذهب إلى غرفة الحليب. لا أعرف إن كانت لجان اللاجئين احتجت على إغلاق غرفة الحليب. لا أعرف إن كانت الصحافة تحدثت عن تقليص خدمات الأونروا . لم أشعر بنبوئتي عندما خلطت الحليب بالوحل الذي كسا أرضية المعرش. تحولت غرفة الحليب إلى غرفة للعلوم. مختبر صغير يحتوي على دوارق و مواد كيمياوية و سوائل ملونة.

تخلصت المدرسة الإبتدائية من واحدٍ من طقوسها المعتادة: الجرس. طابور الصباح. الفرصة. عصا الخيزران التي يلوح بها معلم الصف بشواربه التي تشبه شوارب أبو عنتر . السبورة السوداء . الطباشير البيضاء . الطباشير الملونة التي تظهر عندما يزورنا ضيف يجلس على كرسي موازٍ للمقعد الأخير في الصف. الدفاتر المزينة بالكرة الأرضية محاطة بغصني زيتون.

فقدنا كوب الحليب. استبدل المدرسون عصا الخيزران بالبرابيج المطاطية التي يطوونها في حقائبهم, حتى لا يتركوا أي أثر لاستخدام لعقاب البدني. فقدنا كوب الحليب و وجبة زيت السمك و ظل غصنا الزيتون يزينان الكرة الأرضية في شعار الوكالة بدون أن ننعم بهما.




الحياة فوق السحب الإليكترونية




نعبر سوية مشياً على أقدامنا  الحاجز العسكري الرازح في شارعٍ مكتظ بالسيارات و بالغبار. أتذكر معبر قلنديا و شارع عمر المختار في غزة في عز الصيف. ندخل في صالة واسعة  و مكيفة الهواء ذكرتني بقاعة الانتظار في الجانب الإسرائيلي من الجسر.  سرعان ما تهاوى جسده   بقامته القصيرة و كرشه  السمين على أرض  الصالة, عند رؤية للجنود. أشعر بخوفه و أكاد أن أسقط مثله على الأرض لكنني أتمالك نفسي و أحافظ على صلابة قدميَ على البلاط, الذي  كان يلمع كصلعة خالية من الشعر . أتذكر أنه يعاني من ألام مزمنة في الركبتين و في أسفل الظهر. أحاول أن  أسنده بكلتا يديي بدون جدوى.  أرتبك وأود أن أصرح للجنود بأنه يعاني من آلام الركب و الظهر. يقرأ الجنود أفكاري و يغيثونني في إسناده. أمد يدي ببطاقتي هويتنا لجندي, يستنكف عن تناولهما و عن التدقيق فيهما, و يوشر لنا  بود أن نعبر إلى بوابة الخروج من الصالة.


نخرج سوية إلى الشارع الخالي من المارة, و ندخل إلى صيدلية لم يكن فيها إلا الصيدلي المناوب. أطلب من الصيدلي أن يحقنه بإبرة في عضل مؤخرته لتسكن آلامه. يطلب من مرافقي أن يتمدد على سرير للفحص و أن ينظر باتجاه الحائط الذي كان يستند إليه سرير الفحص . يسحب سائل المسكن من أمبول زجاجي و يتلذذ بإخراج فقاعات الهواء من السيرينج. أستغرب من أن سن الابرة المتصلة بالسيرينج هي سنٍ معدني لقلم حبر جٍل غليظ  . يحقن الصيدلاني   صاحبي بالإبرة الغليظة. يخرج الإبرة و يطرد  الفقاعات بعناية و حذر  من السيرينج. يعود الكرة ليحقنه مرة ثانية ثم يخرج الإبرة من مؤخرته  و يخرج الفقاعات بحذر. يعيد الكرة خمسة مرات متتالية, يحقن بالإبرة الغليظة و يخرج الإبرة من العضل و يفرغ السيرينج من فقاعات الهواء بحذر, و هكذا دواليك لخمس مرات.

 أشعر بحنق شديد لكنني ألتزم الصمت معولا على رباط جأش صاحبي .ينهض صاحبي عن سرير الفحص بدون أدنى شكوى من تكرار حقن عجيزته بالمسكن لخمس مرات متتالية. أسأل الصيدلاني عن التكاليف التي يتوجب أن أدفعهما مقابل حقنة المسكن. يجيب بهدوء و حياد  أن التكاليف هي خمسة و ثلاثون شيكلاً. أرد عليه بحنق أن تكاليف مثل هكذا حقنة  في غزة لا تتجاوز الخمسة  أو السبعة شواكل في أسوأ الأحوال؛ فيجيبني  بلهجة غزاوية مغلظة: إنت ياخو في رام الله ميش في غزة و الأسعار هان زي مانهاتن. أفكر بألا أدفع للصيدلاني  مقابل الحقنة أو حتى  أن أعاركه, لكنني أعرض عن ذلك و أناوله قطعة نقدية معدنية من فئة الخمسة و الثلاثين شيكل.

نخرج أنا و صاحبي من الصيدلية. إلى الشارع الخالي من المارة.  أشعر بمرارة في حلقي و أنهض من سريري. أذهب إلى جهاز اللابتوب. الساعة تمام الرابعة و النصف صباحاً. أبدأ باستعادة بعض من  الملفات التي قمت بحذفها بالخطأ  من الوون درايف قبل أكثر من أسبوع بدون أن أستطيع أن أستعيد إلا النذر اليسير منها من سلة المهملات. كنت قد نقلت  كل الملفات التي خزنتها على جهاز كومبيوتري خلال ثلاثة عشر عاما على الوون درايف قبل أن أغادر غزة حيث أن الإسرائيلين منعوني  مثل كل المغادرين من  إخراج اللابتوب أو أي جهاز إليكتروني عند خروجي عبر معبر إيريز قبل أكثر من ثماني شهور.



العيد




 أصلى مع جدي صلاة الفجر بالشورت في رمضان . أعود برفقته إلى البيت. أطرد نعاس الصبح من عيوني الصغيرة. يطير الوقت سريعاً. أخرج برفقة إثنين أو ثلاثة من أقراني. نعبر الشارع إلى قطعة أرض واسعة كانوا يزرعونها في موسمٍ بالخس, و في موسمٍ أخر بالقمح. لم تكن قطعة الأرض تلك قد تحولت بعد إلى مصب لتجميع مياه الأمطار القادمة من كل أنحاء المدينة. نطير لنصل إلى شارع البساتين. تحمل أيادينا الصغيرة مرواح ملونة و رقيقة. نتحرك بسرعة. نجري. نترك أجسادنا للريح. تلوح أيادينا بالمرواح البلاستيكية الصغيرة في وجه الريح. تتحول مخالب المراوح الصغيرة إلى دوائر ملونة. نحلق في الهواء كالفراشات الملونة.

أعود للبيت و أغط في نومي. أستيقظ بعد الظهر و أقنع نفسي بانني ما زلت صائماً. و ما زلت أقنع نفسي بأنني بدأت بالصوم في سن السادسة. و ها أنا أعترف أنني كنت أسرق الطعام من الثلاجة و الماء من الحنفية و من المضمضة عند الوضوء.

يتوهون أو نتوه سويةً في شوارع المدنية الرملية. يختفي الوجه الذي ترسمه عن ورق الدفتر المدرسي بصحن مدور و حبتين من البندورة و خيارة أو قرن فلفل و قشرة بطيخ صغيرة؛ تعبر الجسرَ مع طفليها لتلحق بوالدهم الذي خرج للتو من السجن لتغيب عشرين عاماً في الذكريات, و ترجع عمتي لعشرين عاماً من الذكريات إلى الحكاية التي تتركها مرة أخرى لتمكث في الذكريات. مع غيابها الأول تغيب الطفولة, أو تبدأ, لتؤثث الذكريات, وتبقى هي فاكهةً نادرةً كالأعياد, لترصع سماء الطفولةِ بالذكريات.

تبدأ الطفولة, أو تنتهي , عندما تموت جدتي, و يبدأ العيد بالانبلاج من الذكريات. نزور ضريحها محملين بالتين المجفف و بالحلوى و بالدعاء. يقرأ جدي ما تيسر له من السور و يعطي المقرئيين ما تيسر له من نقود. بعد عامين أو ثلاثة يسمع عن خطيئة زيارة القبور, فيتجنب الضريح و يمارس عشقه بتناول التين المجفف مع زيت الزيتون كوصفة ألطف من الملح الأنجليزي.

أتذكر ظلال العيد. راحة من الدوام المدرسي. ملابس جديدة إن أتيحت. نقود العيدية. مراجيح من خشب سقالات البناء. الله أكبر كبيراً و سبحان الله بكرة و أصيلاً. الرئيس المؤمن يصلى صلاة العيد خلف عكرمة صبري في القدس. نأكل السمك المملح و نلاحظ خلافات طفيفة بين العواصم في رؤية الهلال . العقيد يذهب بطرابلس أياماً كثيرةً بعيداً, شرقاً و غرباً. أختلس قطع الطوفي و ملبس اللوز من غرفة الضيوف على دفعات متباعدة حتى لا يلحظ أحد سرقاتي الصغيرة. مشوار طويل إلى منتزه البلدية. مشاريع سحرة و لاعبو ورق و نصابون و بائعو حلوى و بلالين يجذبون العيدية من جيوب الأولاد و البنات إلى جيوبهم. تكتشف أمي أن ذخيرتها من طوفي الجامين البنفسجية و من ملبس اللوز أوشكت على النفاذ.



أربع ساعات في فلسطين



قبل سته سنوات زرت فلسطين التي أحب. فلسطين التي لا  أعرف. فلسطين التي تعرفني و أعرفها جيداً.

في الصباح خرجنا عبر معبر رفح. شقت الحافلة طريقها في الصحراء التي  أصبحت مريبة. بدو و قطاع طرق وجيش عبر خط بارليف ليثبت وجوده الرمزي على كثبان الرمل. هللنا و ارتحنا   قليلاً عندما عبرنا الجسر الذي يعبر فوق القناة. وصلنا إلى أم الدنيا. الدنيا تغيرت بعد مليونيات ميدان التحرير قبل عام و نيف. وصلنا في الليل إلى فندق  بنجوم سبعة. غالبني النعاس. قضينا ليلتين في القاهرة . حطت  طائرتنا  على مدرج يخرج لسانه للعالم من البحر المتوسط. رفض ضباط المطار  و ضع الأختام على وثيقة سفرنا الفلسطينية. أخذوا تصاريح الزيارة. ملأنا  نموذج رسمي من الورق المقوى وسموه بالختم الرسمي. الحافلات الصغيرة انتظرتنا لتقلنا إلى نزل أنيق في وسط  العاصمة. أستخرج أسماء الشوارع  من ذاكرتي و لا أتقن سوى التيه فيها. أبعث برسالة عبر الإنترنت لصاحبي الذي لم أراه لعشرين عاماً.

نخرج في رحلة إلى المغارات و البحر و الجبل. نتناول الإفطار. يسألوننا عن الحرب و الحصار و لا تتوقف  العجوزة الإيطالية الشقراء  عن نفث دخان سجائرها في وجوهنا و عن حديثها  الذي لا ينتهي عن الفوسفور الأبيض. نشارك في  المؤتمر الذي جئنا إليه. نضحك من ملأ أشداقنا على نوادر  أستاذ الجامعة الذي تزوج ثلاثة من زميلاته. يجيئني صاحبي محملاً بغياب عشرين عاما. يمر بصعوبة بين اختناقات المرور. يتصل أكثر من مرة ليحدد بالضبط المكان الذي أقيم فيه. أخبره أنني سأنتظره على مدخل الفندق. ألمح سيارة تتوقف بالقرب من المدخل. يخرج من البي أم دبليو. جسده الضخم يشق طريقه تجاهي برشاقة سهم . نتعانق. أنظر إلى وجهه. أتذكر على أبو طوق. أنظر إلى وجهه لكن لا شيء فيه يشبه علي أبو طوق. يغزو وجه علي أبو طوق عيني. أخذ صاحبي و  نجلس في البهو . نشرب القهوة و نستجمع الذكريات و أسماء الرفاق القدامى. أقترح عليه أن نقضي المساء في المدينة. نستقل السيارة. ينفث السجائر و يتأفف من الطرق المسدودة. يتحدث عن المدينة و عن الشهداء. مقبرة الشهداء. ضريح الشهداء. العمارات التي لم تدمرها القنابل العنقودية أكلها الزمن لتبدو كصور قديمة ملونة بالأصفر. المدينة الرياضية. الملعب البلدي. تنساب السيارة بعفوية في الشوارع. يؤشر إلى الطريق المؤدي إلى مستشفى حيفا و يستمر في سرد الحكايات.

يأخذنا إلى المخيم. نمر بالسوق الشعبي لفقراء العاصمة. لديه بيت في المخيم و أخر على أطرافه و لديه سيارتان. هو الذي لا يحمل ترخيصاً لممارسة الطب في البلد يعالج فقراء العاصمة في المخيم و في مغارات الجنوب.  نمر بالشوارع الواسعة في المخيم. بالكاد تتسع الشوارع الواسعة لعرض سيارة واحدة تمشي ببطء في إتجاه واحد. نمر بحواجز الفصائل. صورة الديكتاتور المرسومة  على جدران  الحاجز تفقأ عيني. ملصقات. فتح. الصاعقة. صور  لياسر عرفات.. جهاد جبريل. أبوعلي مصطفى.  مطر آذار لم يجف عن الشوارع.  يركن سيارته في ساحة صغيرة تتوسط الأزقة. نخرج بأجسادنا من الفولاذ. نقحم أجسادنا في غابة إسمنتية صغيرة. نخفض رؤوسنا لأسلاك الكهرباء التي تتعانق مع خراطيم المياه. نرفع رؤوسنا للسماء. لا سماء فوقنا. الأسمنت يعلو فوق كل شيء. أتذكر مخيم الشاطيء. التشابه لا يخفى الاختلاف. أتذكر معسكر ديرالبلح. نمشي. نفس الأطفال و الملابس و العيون. الأزقة بقيت على حالها و الغرف صعدت إلى السماء في إسمنت معلب.

نتوقف في عيادة صاحبي  الفارغة إلا من المرضى القلائل الذين جاءوا ليراجعوا أخيه الطبيب الآخر فيها. أتعرف عليه. و نجلس. أسأله عن صاحبنا الدمث القديم. يطلب من أخيه أن يأتي به. نشرب الشاي. يأتي صاحبنا القديم. أعانقه. صوته كما هو لكن شيئاً ما أكسبه المزيد من الحياد و اللامبالاة.  نتحدث عن ذكرياتنا القديمة و أعمالنا الراهنة. يطل  غسان كنفاني كعادته من  وجه صاحبي القديم. أتساءل إن كان غسان قد بعث حياً ليصاب بالاكتئاب بعد أن شفي من السيارة المفخخة و من داء السكري. نخرج من العيادة بعد أقل من ساعة و نصف في المخيم. أسأل صاحبي لماذا لم يأخذني لنتجول في العاصمة . يجيبني أنه لا يعرفها فهو لا يعرف سوى المخيم و لا يأتي لبيروت إلا في حال قدوم  أصحاب مثلنا إلى العاصمة أو عندما يزوره أقاربه من الدانمارك ليتجول بهم في باريس الشرق. نقحم أجسادنا في الزواريب التي تسمى شوارع.  أتذكر مخيم جباليا. أبحث عن الفرق و التشابه. بعيداً عن قواعد الفدائيين شرق الأردن  عن جسد آسره  الملتصق به, يخرج جان جينيه من أزقة المخيم مع الدم و الجثث و الذباب ليذكرني بساعاته الأربع في شاتيلا, فأرى فلسطين التي تشبهنا. أرى فلسطين التي لا تشبه إلا نفسها. و أظل أتوق لشاتيلا.



كوابيس ملوثة الهواء

أتذكر عندما كان يأتيني صياح  بائع الكلور نهاراً بدون أن أفتح الشباك: كلور .... كلور ... كلور

بائع البطيخ يدلل على بضاعته  بالميكروفون في وضح النهار: بطيخ ... بطيخ .. أحمر ع السكين..

أذهب إلى فراشي بعد يوم من الكوابيس اليومية خفيفة و ثقيلة الظل.

أذهب إلى فراشي: كوابيس ... كوابيس.. كوابيس...

معلمة المدرسة تقلد طلابها في الإذاعة المدرسية.. معلمة المدرسة تقلد نفسها في طابور الصباح... معلمة المدرسة بمريول أبيض... معلمة المدرسة تدير المهرجان الخطابي.. معلمة المدرسة تنقب في الكتب عن قصائد الشعر.. معلمة المدرسة تحاصر مدير التعليم بالمديح... معلمة المدرسة تصبح مديرة معهد تدريب المعلمات.. أرفض ارتداء المريول الأبيض في معهد تدريب المعلمات... تنظر إلي مديرة معهد تدريب المعلمات, أنظر إليها بدون أدنى اكتراث...

 لا أريد لهذا الكابوس أن ينتهي...

أريد لهذا الكابوس أن ينتهي ...  

طفلتي الصغيرة تلعب فوق سطح دارنا مع جندي إسرائيلي.
كابوس ثقيل الدم..

أصحو من النوم...

أنقذ الطبيب الذي توفي قبل ست سنوات من موتٍ محقق بشربة ماء.. والدي سقيم ... نحمله أنا و أخوتي  من الطابق الرابع إلى الطابق الأرضي.. ندخل إلى ورشة تصليح السيارات.. الطبيب الذي توفي قبل ست سنوات في الورشة بمريوله الأبيض المتسخ بلون زيت تشحيم السيارات... يداهمني عطش شديد..  أذهب إلى الحنفية لشرب الماء...

أتصل بوالدي ... والدي يرقد في المستشفى منذ يومين..

التوجيهي هو كابوسي المزمن.. مرة, أقرر إعادة التوجيهي لأحصل على مجموع أعلى... أخرى, السنة الأخيرة في المدرسة. تمر السنة بدون أدنى استعداد... أكتشف أنني حصدت مجموعاً أحسد عليه قبل سنوات..

والدتي تبتسم .. والدتي قوية كالعادة..

أستيقظ من النوم مسروراً بفعل ابتسامة  والدتي. أكتشف أن والدتي في المستشفى.. والدتي قوية كالعادة.

مدرعات إسرائيلية أو حاملات جنود بالكاكي, الملطخ بالوحل, تتمختر بأريحية في شارع النصر في غزة و كأنها تقوم برحلة سياحية.
أخرج من الفراش للتبول.. أطرد الكابوس و أستمر في النوم تحت الفراش ليلاحقني كابوس أخر... الصفعة على صدغي الأيسر..

 أخرج إلى الشاطئ,  فلا أجد ملابسي التي تركتها على الرمل قبل أن أذهب للسباحة في البحر.. أخرج من البحر مرتدياً ملابسي العليا... صاحبي يرفض طلبي بإحضار السروال. صاحبي النذل لم يظهر في الحلم... من ظهر كان صاحبي الصدوق...

كوابيس .. كوابيس مكيفة الهواء.. كوابيس بتدفئة مركزية...  كوابيس ساخنة ...  كوابيس تكاد أن تودي بك إلى سكتة قلبية. كوابيس .. كوابيس... كوابيس صور متحركة, تجعلك تتمنى أن تظل راقداً في فراشك. كوابيس سكوب ... بالألوان ... أبيض و أسود...  كوابيس مشبعة برطوبة الجو العالية... كوابيس بشيء من نكهة الحياة في غزة...