11‏/05‏/2019

صباح الخير ايها الحزن...


صباح الخير ايها الحزن...


اريد ان أودع هذا الحزن. اريد ان اشتاق لهذا الشعور باللاجدوى. اريد ان اتخلى عن اكتئابي و وسواسي القهري.


اريد من اتخلص من جرعات الادرينالين و السيروتينين الفائضة في دمي. اريد ان اجتث اشتياقي للسجائر و خوفي من الموت و خجلى من الحياة. اريد ان أبتعد عن "لاروتيني" اليومي و عادتي الأثيرة بشرب القهوة وقتما اشاء، و كيفما أشاء. اريد ان اشرب مشروبي الساخن في وقت محدد كما يفعل النبلاء في بريطانيا العظمى و في الروايات القديمة .


اريد ان اشرب البابونج أو اليانسون أو الميرمية أو الزهورات أو اي شيء ساخن مثلما بات يفعل المناضل القديم و عضو القيادة الوطنية الموحدة بعد أن أصيب باول جلطة قلبية بعد أوسلو, فاقلع عن تدخين السجائر، و استبدل الشاي و القهوة بمشروبات ساخنة لا تجلب التوتر، و استقال من فيصله السياسي , ليأخذ راتبه المعتبر من موسسة الا ن جي اوز , و ليرعى تجارة أولاده في الأراضي و العقارات, من خلال علاقاته التي كونها عبر تاريخه النضالي, و ليستمر في قراءة الجرائد اليومية و الإفتاء في الشأن العام.


اريد ان أتوقف عن الاهتمام المَرَضي بالأخبار القادمة من البلاد التى تسكنني. اريد ان البس هذه البلاد وقتما اشاء و اخلعها وقتما اشاء كما افعل مع ساعة اليد .


اريد ان اتخلص عن وسواسي القهري بمتابعة الانتخابات الاسرائيلية و انتخابات مجلس طلاب بيرزيت و ربيع الجزائر و صيف الخرطوم .


اريد ان أتوقف عن تحديث صفحة موقع الانترنيت الاخباري , بين كل فينة و أخرى بعد منتصف الليل لاعرف أن كان تحالف التجمع و الإسلامية قد اجتاز نسبة الحسم ام لا، بالرغم من اني لم اكن يوما من المعجبين بالاسلامية, لا الشمالية و لا الجنوبية, و لم اعد مهتما منذ أن غادر مؤسسه البلاد, لا بالتجمع و لا بالوعد الذي مثله عند اطلاقه ، و بالرغم من اني لم اعد متأكدا من جدوى و لا من ضرر المشاركة في الانتخابات الاسرائيلية أو من مقاطعتها.


اريد ان أتوقف عن الشلل يوم النكبة و يوم الارض ، و انا اتابع صور المحتشدين على السلك و الشهداء و الجرحى على الفيس البوك، لاعيد نشرها على التويتر، بالرغم من اني لم اكن يوما من المؤيدين لمسيرات العودة و فك الحصار.


اريد ان امنع الغدد الدمعية عن الإفراط في افرازاتها و أنا أفرط في الحنين . اريد ان امنع جفوني من الغرق في الدموع، و أنا أتذكر هزائمي المتكررة و رفاقي الاوغاد الخونة. اريد ان امنع جفوني من الفيضان بعد أن تجاوزت الخمسين من العمر, فهذا عيب على رجل في بلاد يقاس فيها منسوب الرجولة بالملح, و هذا أمر مشين في بلاد يعتبر فيها الكذب ملح الرجال.


اريد ان اتحدث برزانة مثل ضيوف نشرات الأخبار و البرامج الحوارية الذين يتم الدفع لهم بالعملات الصعبة مقابل مشاركاتهم فيها . اريد ان اكون مقنعا للجميع مثل القائد السياسي الذي يأتينا بعد كل في حرب على غزة ليرفع شارات النصر مع إسماعيل هنية, بينما يشارك مع ابو مازن في اجتماعات اللجنة التنفيذية. اريد ان يتفق معي الجميع، بدلا من ان يختلف معي الجميع.


اريد... اريد....اريد ان انسى نفسي ... اريد ان انسى نفسي و لو قليلا... عفوا، اريد ان اتذكر نفسي و لو قليلا.... اريد ان اتذكر أن كل هذه المشاعر و الطقوس جعلتني على مدار السنين مثل الخرقة القديمة البالية التي يتجنبها الجميع؛ مثل الخرقة القديمة التي لا تنفع في أي شيء سوى في تنظيف بوتوغاز قديم في مطبخ قديم.


اريد ان انسى الماضي؛ أن اتجاهله قليلا، حتى استطيع أن أعيش حياتي الجديدة. اريد ان أتوقف عن ملاحقة معدلات وفيات الأطفال في غزة، لافهم الفوارق في معدلات الحياة المتوقعة على طول خط الاندرجراوند في جلاسكو. اريد ان انسي احلامي الصغيرة، احلامي التى طالما سعيت ورائها و أخفقت في الوصول إليها. اريد ان انسى احلامي الكبيرة، احلامي التي لا تغيب عني لالاحقها و لتلاحق بصري, لتبقى سرابا أسعى وراءه بلا كلل و لا ملل.


اريد ان انسى، اريد ان انسى لاحيا، لاجد خبزي اليومي، و فرحي اليومي، و حزني اليومي. لا اريد نبيذا معتقا ، و لا فرحا غامرا و لا حزنا غائما. اريد ان انسى، لاستطيع أن اتعاطف مع المشردين و الهومليس في البرنسيس ستريت في إدنبره . اريد ان انسى اللاجئين في جباليا و الشاطيء لافهم معاناة اللاجئين القادمين من ادلب و درعا و دوما و من البنجاب و كشمير و قندوز و شيراز و طهران. اريد ان انسى أصحاب الأطراف المبتورة في غزة لاترك متسعا لفهم اختلافات مؤشرات الصحة على طول "الجوبلاي لاين" في لندن، اريد ان انسي خلافاتي القديمة مع كل المقتنعين أن كل شيء على خير ما يرام في بلادنا الموبوءة بمقولة أن " القناعة كنز لا يفنى " ، لاترك فراغا صغيرا أو كبيرا يمكنني من فهم ما يحدث في الصحة الدولية و المدارية و الاستوائية ...


اليوم استيقظت صباحا لاكتشف أنني نسيت كل شيء. نسيت حزني المزمن، و افراحي الغير مكتملة، و احلامي المجهضة، و الشوارع الترابية التى كبرت وسطها ..نسيت صور الشهداء، و خيانات القادة، و خيبات الجماهير، و رثاثة البروليتاريا و وضاعة البرجوازية و خساسة المثقفين و بؤس الواقع.


اليوم صباحا، وجدت أنني تركت نفسي في البلاد التي تركتها. اليوم صباحا، تيقنت أنني أودعت نفسي في النسيان. أودعت نفسي في ثلاجة الواقع، فأصبح جسمي يفرز الادرينالين و السيروتينين و الكورتيزون و الاندورفين و التيستستيرون بحساب دقيق حسب الحاجة و الطلب. تخلصت من فوضي مشروباتي الغير كحولية . لم اعد اتابع الاخبار القادمة من الشرق الأوسط. تخلصت من عبء احلامي الكبيرة و نسيت احلامي الصغيرة. لم اعد اهتم بالاخبار العاجلة القادمة من السلك و لا من شارع الترانس في جباليا , و لا من موقع السبعطش في دير البلح. صارت كل الاخبار مثل نشرة الأخبار الجوية. صرت اشاهدها لاستثمرها في عملي.


انا الان اقوم بعملي بمهنية عالية، بدون ادني مشاعر. اراقب الفروق الطفيفة في المؤشرات الصحية. ادرس الظواهر بموضوعية تامة حسب المعرفة المحدودة التى امتلكها حول الموضوع المحدد. افعل تماما مثلما يفعل الخبراء الدولييون الذين يأتون إلى بلادنا متباهين بحياديتهم تجاه النزاع.


انا الان لم اعد اهتم بالمشردين في شوارع إدنبره و لا بالفوارق بين الناس لا في جلاسكو و لا في لندن. لم اعد اهتم باللاجئين من أحلامهم الى احلامهم، كل ما يهمني أن احصل على مكافأتي الشهرية و أن ارتقي في وظيفتي. انا الان قادر على شرب الزهورات بدلا من الشاي و القهوة مثل المناضل المخضرم الذي يشرب البابونج و ينتظر كل شهر راتبه الذي يتلقاه من المنظمة الغير حكومية مقابل قراءة الجرائد اليومية و إسهامه في الشأن العام .

 أنا الأن معطوب مثلكم جميعا, لكنني بدون شمس دافئة و أدرينالين زائد.

انا الان مثل الخبير الدولي الذي حدثته ذات يوم عن مفارقة إلحاق سيدة, تستخدم لولبا لمنع الحمل وضعه طبيب خاص في رحمها ، ببرنامج رعاية ما قبل الحمل في مركز صحي عمومي. انا اليوم محايد جدا و مهني فوق العادة مثل هذا الخبير الدولي الذي نصحني أن أترك كل هذه الترهات و أن أتعامل مع الفساد كفولكلور فلسطيني لا مفر منه.



05‏/04‏/2019

سأنساك

سامحني
سأنساك. سأنساك قليلا. سأحذفك من قائمة أصدقائي على الفيس بوك. لن تستطيع بعد اليوم أن تؤرقني بمنشوراتك التي لا تنقطع عن الفيس بوك. لن اسمع بعد اليوم الاحدي و العشرين طلقة التي تطلقها كل يوم في السماء، في سماء الفيس بوك. سامحني، فلم اعد أحتمل طلقاتك التي تطلقها تحية للجميع , للبسطاء و للزعماء و للانبياء و للشياطين و للملائكة و للآلهة. كما لم اعد أستطيع أحتمال كل هذا الصمت الذي اعلنته، كل هذا الصمت الذي أعلنته احتراما لأرواح الشهداء التي صارت تصعد للسماء بلا انقطاع و بلا معنى و بلا هدف... لم أعد أستطيع أحتمال كل هذا الصمت الذي أعلنته حدادا على كل هذا اليأس . سامحني، سأنساك قليلا، لن تكون بعد اليوم ضمن قائمة ال see first على الفيس بوك.

سامحني، سأنساك. سأنساك كثيرا. لن يخرج علي شقيقك بعد اليوم ليناديني باسمك. لن يعود ليذكرني مرة اخرى بمدى الشبه بيننا. لن يذكرني و هو القادم للتو من درعا أو من الدرعية الي عمان, كيف صنعت خمسة عشر عاما من غيابه عنا بعد إجتياح بيروت , مني نسخة قديمة منك.

سامحني سأنساك قليلا. سأنساك و لو بعد حين. قد تأتي سيدة لي في عيادة الانروا لتذكرني بك. ستسألني عنك. لترضي فضولها بالاستفسار عن علاقتي بك. قد تأتي سيدة لتقطع حبل نسياني. قد تأتي واحدة أنهت الدراسة الثانوية، قد تأتي أخرى انقطعت عن دراستها الثانوية قبل عشرين عاما، قبل ثلاثين عاما، قبل أربعين عاما أو حتى قبل خمسين عاما لتسالني عنك ، عن علاقتي بك ، عن سر الشبه بيننا. ستأتي مريضة تعاني من ارتفاع ضغط الدم أو مدرسة تطلب إجازة مرضية لتشوش نسياني. قد تأتي مثلما فعلت الأستاذة ام مروان التى كانت تعمل في مدرسة الرملة المجاورة للمدرسة التي طالما عملت بها. ستسألني إن كنت اخاك الأصغر. قد يفاجيء دخولي على مكتب مديرة مركزللنشاط النسوي مجموعة من الناشطات, اللواتي يدخنن السجائر في الخفاء و يضعن الحجاب، فيباغتنني بالسؤال ان كنت قد صغرت في العمر و الهيئة.

سامحني، سأنساك قليلا. ستفسد نسياني ثلة من النسوة في ساحة التاكسيات. قد يطرحن على السلام. قد تتجرأ احداهن بدفع شيكل عني و انا اركب السيارة.

سامحني ، سأنساك. سأنساك قليلا. سانساك. قد يقطع على هذا النسيان رجل عجوز يندهني باسمك في سوق الزاوية. ساتجاهله، و سيصر مرة أخرى على أن يناديني باسمك. ساتذكرك عندما ينظر إلى بياع الفجل او الخس أو البصل الأخضر و ينادي على باحترام في سوق الزاوية: اتفضل يا استاذ محمد. ساتذكرك في نظرات بائعات الجبنة البلدية، و في نصيحة سيسديها لي بائع السمك في حسبة سوق فراس.

سامحني أيها النسيان. اعذرني أيها النسيان. ساتذكره قليلا عندما اخاف من الموت. عندما اتوتر. عندما يؤرقني الليل. عندما اتشاجر قليلا مع زوجتي. عندما أشكو من الصمت و من الملل . عندما أوغل في اللامبالاة و في الاكتئاب , عندما أصاب بالجذل. عندما اقلع عن التدخين. عندما افكر بالعودة عن الاقلاع عن التدخين. عندما أتصنع. عندما أتصرف على سجيتي. عندما احاول تخفيف وزني. عندما أشعر بالغصة التي لا تفارق قلبي. عندما امضغ مرارة حلقي. عندما انظر إلى وجهي في المرآة. عندما اتذكر الله. عندما اتذكر تناقضات الفلاسفة. عندما أقرأ اسمي الرباعي في جواز السفر. عندما أقرأ اسمي الثلاثي في شهادة المدرسة، في نتيجة مسابقة أفضل موضوع إنشاء بمناسبة عام الطفل العالمي في 1979, في لوحة الشرف، في تبليغ أمن المؤسسات، في شهادة خلو الأمراض, في شهادة حسن السير و السلوك, في تبليغ الأمن الوقائي، في استدعاء الأمن الداخلي، في رخصة قيادة السيارة ، في قائمة المرشحين لوظيفة لن احصل عليها أبدا ، في شهادة ميلادي، في اوراقي الرسمية, في أوراقي الغير رسمية’ في أوراقي القديمة، في أوراقي الحديثة , في أوراقي التي لم تكتب بعد, في .. و في و في...

سامحني.سانساك. سأنساك قليلا. سأنساك كثيرا. سأنساك الى الابد. ساعدم كل صورك. ساحرق كل البومات صوك القديمة. ساحذف كل صورك من كومبيوتري. سأنساك. ساحذفك من ذاكرتي. ساحذفك من ذاكرة حاسوبي. سألغي صورك من الوون درايف. من موبايلي القديم . ساحذف محادثتي الأخيرة معك على الماسنجر. لن اعود الى الماسنجير لأتأكد أنني كنت قد أرسلت لك نسخة مقرصنة من "جمهورية كأن". لن اسال نفسي ان كنت قد استطعت أن تقرأها كما قرأت كل روايات الأسواني و إلياس خوري و إبراهيم نصر الله و صنع الله إبراهيم, التي أحضرتها لك, قبل أن تصمت على الفيس بوك.سأنسى كل ندمي أنني لم أفعل ذلك و ذاك. سأنسي كم كنت أحبك. سأنسى كم أحبك. سأنسى كل شجاراتنا و كل مشاحناتنا و صداقتنا . اعذرني لاني سأنساك. سأنسى كل شيء. أعذرني لاني ساقضي عمري و انا احاول ان انساك. أعذرني لاني سأموت في سبيل أن استطيع ان انساك. سامحني.

04‏/04‏/2019

صور

صور

(شظايا سيرة)

::
صور. أنقاض عمارة حسونة. تحدثني أُمي أنه كان أمامنا أن نشتري شقة صغيرة في العمارة القريبة من قصر الحاكم, أو أن نبني بيتا صغيرة في اخر الزقاق الضيق, الذي سكنا فيه مقابل "دار سيدي"، حيث كانت جدتي     تعتني بنا عندما تكون أمي في عملها في المدرسة.
::
صور. تتطاير الصور في السماء. تتوزع السماء في الصور. تتطاير  الأيام  في الصور.  الصور تلاحق الصور.  

صور. المسها باناملي الناعمة. اشاهدها في الالبوم. اتعلم التصوير على كاميرا الزينيت المستخدمة التي اشتراها والدي من رفح. لا احد يعرف متى بدأت تجارة الأنفاق و لا متي ستنتهي.

صور. اخزن الصور في الذاكرة. امشي في الشارع الترابي. لا شوارع الا حيث الشوارع الترابية. اهجم على كومة من النفايات. اوراق بالعبرية. متعلقات بدون أية قيمة. خردة. يأتي العمال ، متعهدو العمال، و تجار و انصاف تجار بالاثاث المستخدم مجانا او بسعر بخس و يحملون معه كل كراكيب الدنيا. تسحرني أكوام من نيجاتيف الصور، و من أشرطة أفلام السينيما المنزلية. انكب على الأشرطة و على  نيجاتيف الصور. احصل على كنزي. احرص عليه. اتمعن في صور العائلات المستقرة. حفلات الزفاف. أطفال وديعون في عمري, بقمصان زاهية و احذية لامعة. امشي حافي القدمين. تلسعني السميطة. تتسرب رطوبة التراب الى قدماي في الشتاء. اعشق تجميع  أشرطة النيجاتيف من الزبالة. اعراس. طقوس منزلية. كؤوس من النبيذ. تعالج عيناي و دماغي النيجاتيف. انظر الي العالم و تلتقط عيناي و دماغي نيجاتيف لما يحدث حولي.
::
صور. عرض عسكري لكتائب القسام في شارع الترانس. صور. الهروات تحلق في الهواء. الهروات تهبط على ظهور المتظاهرين. صور. الصواريخ تنطلق من مكان ما في غزة. القبة الحديدية مجرد " قبة" من ورق.  الطائرات الحديدية  تنشر حمم النار في السماء. الطائرات تنشر الدمار على الأرض. صورلمندوب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان مبتسما في دير البلح بجوار سيارة حديثة و رأسه ملفوفة بشاش مبلل باليود و بالدم. صور. آثار السياط  على ظهور  من خرجوا من مقر الأمن الداخلي.
::   
صور. صور. سعيد القاسم يقدم نشرة أخبار السابعة مساءً من أوريشاليم. التلفزيون الاسرائيلي ينقل الصور من ميدان مسجد فلسطين. باسم ابو سمية و شيرين ابو عاقلة يخرجان من راديو مونتي كارلو للبث على موجات الاثير القادم من جوار القدس. اغتبط لسماع مقاطع من لماذا تركت الحصان وحيدا من الراديو. الرصاص يتطاير في الهواء المجاور لمسجد فلسطين في غزة. اصغي لنشرة اخبار صوت فلسطين. المذيع يتحدث عن فئة مارقة. اغلق الترانزيستور و ادفن الإذاعة وهي في عامها الأول.
::
صور. ياسرعرفات يصطحب مصوره الشخصي "حسين حسين" الى المنتدى. اصادق شهادة الطب من وزارة الخارجية الروسية و السفارة المصرية في موسكو.  اشاهد مباريات كأس العالم و موكب ياسر عرفات في الطريق بين رفح و غزة. تقلني طائرة شارتر الى مطار بن غوريون. رجال الأمن الإسرائيليون يفتشونني في مطار شيرميتوفا. رجال الأمن يتشاجرون مع طالب من الجليل. أذهب في جولة من السلك للسلك بالاوتوبيانكي.  نزور المنتدي. اشاهد ورنر كريستوفر مع الزعيم الفلسطيني. اشاهد ياسر عرفات لأول مرة في حياتي. يحاولان الاقتراب من القائد. رجال الأمن   يقفون حائلا أمام ذلك. نخمن بأن  حراس ورنر كريستوفر إسرائيليون.انأي بنفسي عن الاقتراب من ياسر عرفات.يترجم لنا رجل ملتحي المحاضرات الافتتاحية لدورة تثقيفية في براغ. اشاهد صورة ياسر عرفات و الرئيس التشيكوسلوفاكي في الصفحة الأولى لجريدة الاتحاد. المترجم التشيكي يظهر بوضوح في الصورة. احتفظ بجريدة الاتحاد في ارشيفي.

 ياسر عرفات يمنح  فني صوت سابق  في تلفزيون أبو ظبي بضعة غرف في  المنتدى. حارس مرمى النادي الاهلي  يتحول إلي مقدم برامج و عضو في المجلس التشريعي. سفير منظمة التحرير السابق في موسكو ضيف دائم على تلفزيون فلسطين. مدير الوكالة الفلسطينية للانباء "وفا" في بيروت يفتتح مقهى و مطحنة للقهوة أمام مستشفى الشفاء. ارى السفير السابق و حارس المرمى مع مدير وفا  , يحتسون القهوة التركية مرارا في ديليس. ارتطم بزامور سيارة إسعاف تنقل جثمان عبد المعطي السبعاوي. يأتون بجثة هشام مكي الى مستشفى الشفاء بعد  أيام  محاولين إنقاذه من رصاصتين في الرأس و الصدر. مهدي ابو سردانة مستعد أن يحول اي جملة الي جملة موسيقية. التلفزيون  يبث اغنية" صور يا مصوراتي صورة لاهلى و خواتي".
::
صور. الصور تتوقف في صندوق الجولد ستار. الزنانات تشوش على التقاط البث. الزنانات تطير في الهواء كالذباب المزعج. طنين الذباب يصم الاذان. ذبدبات الذباب تنذر بقيام القيامة.

صور. الزنانات تطير فوق رؤوسنا. الزنانات تطير فوق أعناقنا. فوق أجسادنا. فوق البنايات التى نقيم فيها. فوق الهواء الذي نتفسه. الزنانات تلتقط الصور. الزنانات ترسل الصور الى حاسوب تنظر إليه فتاة فاتنة. شاب وسيم. ياخذ احداثيات الموقع. تأخذ زبدة المعلومة. تخزنها في قاعدة البيانات. يضغط على الحاسوب. ينطلق سائل حارق من الزنانة. ينفذ من نافذة أو فتحة في السقف. تتلاشى الاعضاء. تذوب العظام. طائرة الاباشي لا تعتذر للقبيلة التي تحمل اسمها. طائرة الاباشي تخلد ذكرى الهنود الحمر الذين ابادهم احفاد القادمين من مجاعات البطاطا و بقايا محاكم التفتيش. طائرة الاباشي تحلق فوقنا. طائرة F16   ترمي حممها في السماء. طائرة F16   تصوب حمولتها على الهدف. زنانة أخرى تحلق فى السماء. الزنانة تلتقط صور الأشعة رباعية الأبعاد. رئيس الوزراء يختبئ في قسم الأشعة. تسيبي ليفني تهدد بقصف قسم الولادة.  

صور. تتكاثر الصور. صور الذباب. الزنانات. الضحايا. الجناة. اتجشأ من كثرة الصور. تحاصرني الصور . صور لركام البيوت. للشهداء. للقادة الملهمين. لمشاريع الشهادة. لمشاريع القادة. للامناء العامين للفصائل. لاعضاء اللجنة المركزية. للمجلس الثوري. للمجرمين. لمجرمي الحرب. للصوص الاراضي. للصوص الملكية الفكرية. لأعضاء المجلس المركزي. للمحللين السياسين. لخبراء التنمية.  لورق الطابو.  لاملاك الغائبين. لضحايا الحصار. للمبدعيين. للمساكين. لمن لا تنتشلهم الصور من البؤس.
::
صور.صور القصف. صاروخ ينطلق بالخطأ من رفح ليصيب منزلا في شمال شرق تل أبيب. ال F16  تحلق فوق غزة. صورة ليافطة شركة الملتزم للتأمين و الاستثمار وسط ركام بقايا مدخل عمارة قديمة.  إصابة  مقر للأمن الداخلي بالقرب من قصر الحاكم . اتذكر الجميزات. كنا نستقل سيارة الأجرة من ساحة التاكسيات إلى قصر الحاكم. كان والدي يقول للسائق "على الجميزات". كان عم والدي يسكن في بيت واسع بالقرب من قصر الحاكم. كنا نمشي بالقرب منه, كنا نخاف من الجنود. كنا ننظر عبر السياج لنري الجنود مستلقيين على مراجيح بين الأشجار أو يلعبون تنس الطائرة. قبل أن أبلغ الخامسة عشر من عمري، غادر عم والدي بيته المستأجر القريب من قصر الحاكم الى بيت مستأجر آخر في شارع رئيسي في حي الشجاعية. بعد قدوم السلطة, حول صاحب البيت,  الذي إستأجره عم والدي بالقرب من قصر الحاكم أوئل السبعينات, بالشراكة مع فنانة مصرية إلى مقهى أسمياه   " الطاحونة".
::
صور. صور شبان يحرقون اطارات الكاوتشوك. يرمون الحجارة على جنود مددججين بالحديد و البارود و قنابل الغاز. فتيات بالمراييل المخططة يرجعن  من مدارسهن قبل الظهر بجوار حائط خطت عليه الشعارات. شارع فهمي بيك مسدود بالبراميل. جدار كتب عليه: " بلادي لي و للعمال تبقى و لن تبقى لتجار السلاح".

صور. في روسيا البيضاء,  نستعيض عن الطحينية  بالمايونيزونصنع الحمص بالبطاطا؛ و في روسيا البيضاء, احرص على جمع الصور من مجلات الفصائل. اقلد رسم الصور الملونة التي كانت تظهر على أغلفة فلسطين الثورة. ارسم الوجوه و تخوم الأجساد بريشة غير دقيقة بالحبر الاسود و اعبأ الفراغات البيضاء بالالوان المائية. احلم باقامة معرضاً للصور. و تبقى روسيا البيضاء بيضاء كالشهور السته التي قضيتها فيها.

 تنهمر الصور. صور الأمين العام للحزب. افتتاح المؤتمر السابع و العشرين. أعضاء المكتب السياسي. شهداء الوطن السوفياتي في الحرب الوطنية العظمى و في اعالى جبال افغانستان. صور النياشين في كل مكان. أغلفى مجلة " أوجانيوك". أفيشات فيلم " موسكو لا تعرف الدموع". في محج قلعة, أشاهد امرأة بكامل بهائها تحمل مسدسا في حقيبتها. المحه و هي تخرج اوراق البنكوت السوفياتية لتدفع ثمن الرسالة المسجلة المرسلة الى صنعاء. الاطفال يمارسون طقوس الحلم الاشتراكي. الاطفال يمارسون طقوس الحزن السوفياتي. الاطفال يلعبون بفرح. الاطفال يضعون الزهور على ضريحِ شهداء الحرب, بينما أقرأ جريدة تشرين السورية. لم اجد في كشك الجرائد المقابل لبيت رسول جمزاتوف اي شيء اقراه بالعربية سوى تشرين و انباء موسكو. الاول من ايار, اكتشف أن قائدة الكومسومول تأخذ الحضور و الغياب في المسيرة. اتذكر مسيرة يوم العمال في رواية الام. تعودنا  على الحمامات العمومية في سكن الطلبة و لم نعد نشعر بالغثيان.
::
صور. تنهمر الصور. جمال الدرة يحتضن ابنه. تقلني سيارة الأجرة من شارع صلاح الدين إلى مستشفى ناصر في خانيونييس. الرصاص يتطاير حولنا و نحن في السيارة بالقرب من البوليس الحربي و لا نسمع صوته. يعلمني سائقو المرسيدس أن هدير موتور السيارة في اذاننا أعلى من  أزيز الرصاص و حتى من القصف. اكتشف بالقرب من عمارة جاسر أن لفتح علما باللون الاصفر، اخاله راية لحزب الله . اصعد الى وحدة القلب لاعاين مريض و اشاهد نشرة الأخبار. أعرف أن محمد الدرة قد قتل بالقرب من البوليس الحربي. كل شيء تغير ، أصبح اسم البوليس الحربي مفرق الشهداء.

صور. صور الشهداء على أعمدة الكهرباء. صور الشهداء في ملصقات الفصائل. الشهداء في السماء بلا أوسمة و لا نياشين. أسمع عبد العزيز الرنتيسى يتحدث من اذاعة لندن عن الشهداء المتوضيئين. المستشفي يستقبل الشهداء و مشاريع الشهادة من حاجز التفاح, من حكر الجامع , من شارع صلاح الدين, من رفح و من كل مكان جنوب مفرق الشهداء . الرصاص مصوب إلي الرأس, إلى الصدر,  إلى الأطراف ؛ و الجنود  يختبرون قدراتهم في قنص شريان الفخد.  صحفي فرنسي يخبرني أنه شاهد أشعة حمراء قبل وصول الرصاص إلى هدفه.

صباح الجمعة, أعود من مناوبتي الليلية في مستشفي ناصر. سيارة المرسيدس  تتجه غرباً لتمر عن طريق البحر. أشاهد جموع متناثرة بالقرب من قصر الحاكم. الدخان يتصاعد في السماء. السيارة تصل إلى الجندي المجهول. جموع أخرى بالقرب من محل لبيع الوجبات السريعة. تصطف صناديق لزجاجات المشروبات الغازية و العصائر أمام المطعم الشعبي, كأنها كانت عرضة للتفتيش. ألاحظ  زجاجات من البيرة مكسورة و  مرمية علي الأرض. يستقل راكب جديد سيارة الأجرة. يخبرنا أن الأولاد أحرقوا مقهي الطاحونة لانه يقدم المشروبات الروحية و ينشر الرذيلة. أشاهد إسماعيل هنية و إسماعيل أبو شنب يتمشيان بالقرب من الجندي المجهول. أخرج رأسي من شباك السيارة الأمامية و أصرخ كالمجنون, لكن هدير المحرك  كان أعلى من صوتي حسب سائقي المرسيديس. 
::
كبرت , هرمت , شاخت أعضائي . تحولت إلى خرقة بالية,إلى  كومة من الخردة , كومة من أشرطة نيجاتيف الصور القديمة. أتركوني و لو لحين. لا ترموني الأن, ارموني عندما تتخلصوا من آثاثكم القديم, إرموني عندما ترموا فصائلكم القديمة و الحديثة , عندما تتخلصوا من قياداتكم , من ألابيم صوركم و نياشينكم و شعاراتكم و خطاباتكم التي لا تغني و لا تسمن من جوع , من حزنكم القديم و فرحكم المزيف , من بؤسكم المعتق و ثرائكم المؤقت. إرموني إن شئتم , إرموني متي تشاؤون , إرموني الآن فلم أعد أصلح لالتقاط الصور.أتركوني لاغادركم إلى طبيب العيون لأعرف كم سنة باقية حتي يتلف عصبي البصري. 
  

19‏/03‏/2019

انا اعرفك


انا اعرفك ، أعرف أن كل هذا الالم لن يكفيك, و أن كل هذا الحزن لن يكفيك, و أن كل هذا الدم لن يكفيك.
انا اعرفك. أعرف أنك تخاف حتى من أنصارك. تخاف حتى من المتضامنين معك، فكيف لا تخاف من المختلفين حولك، و المختلفين معك ، و المختلفين عنك. انا اعرفك، اعرف أنك تخاف من خيالك. تخاف من صورتك في المرآة. صورتك التي لا تشبه صورة امير المؤمنين التي رسمتها لنفسك . صورتك التي لا تشبه  صورة الفدائي التي رسمناها له على مدار السنين.
انا اعرفك جيدا، لذلك لم احلم يوما باني ساصفق لك, ولم اتأمل يوما انك ستنحني لجمهورك و هو يصفق لك قي نهاية عرضك المسرحي.

انا اعرفك، لذلك فإنني اعترف انني كنت انتظر فشل جميع المراهنات عليك.

انا اعرفك،أعرف أنك عِلتنا، فخذ ما شئت و اترك لاحفادنا حرية الاختياربين الحياة و الموت, حتى لا تتركهم كما تركتنا لدهر كامل بين الحياة و الموت. خذ ما شئت من زيتوننا و زيتنا الشحيح و خذ ما شئت من طحين المؤن  و عدس المؤن و سيرج المؤن و حليب المؤن ، و اخرج من البيت و من الكرم  خلسة  كما يخرج كل اللصوص.

 خذ من دمنا ما شئت و اهرب كما يهرب كل القتلة. خذ ما شئت من احلامنا و ايامنا و رزقنا. خذ ما شئت من بؤسنا المعتق و ما أردت من حزننا المكرر. خذ ما شئت من عمرنا القصير, و من شوارعنا الضيقة. خذ ما شئت فانت لا تأخذ إلا مساحة من سجننا المؤبد و حصة من موتنا المؤجل.

خذ ما شئت و اترك لنا فسحة صغيرة لنحيا بدونك ، أو لنموت بدونك، المهم أن نكون بدونك. ارحل كما يرحل كل الطغاة، و اترك لأطفالنا أشلاء حلم بأن يعودوا ولو بعد حين الى المستحيل.


سبعة مارس. إضراب المدارس.


سبعة مارس. إضراب المدارس. نكسب أسبوعا أخرا من التغيب عن المدرسة.إجازة أخري للربيع مباشرة بعد إجازة الشتاء الطويلة نسبيا. لا نعرف يالضبط سبب هذا الترف الإضافي.

بعد عدة أيام من إعادة إنتخابه للرئاسة الأميريكية, أيزيناهاور يؤكد علي ضرورة القضاء على نتائج العدوان الثلاثي. الإنجليز و الفرنسيون يعودون لإضاءة أشجار الكريستماس في البيت. الخوذ الرزقاء تحتفل برأس السنة في بورسعيد و في السويس. العالم تغيير, اصبحت الإمبريالية أعلي مراحل الرأسمالية و الإشتراكية معا.

تحدثني أمي عن نجاة جدي من موت محقق في حي الزيتون , و هي في عمري في ذلك الوقت. و تحدثني غزة, و هي لا تعرف الحبر, عن عزمها كتابة يوميانها.

بن غوريون يراوغ حول الإنسحاب من شرم الشيخ و غزة. بن غوريون لا يفك الحبر السري لرسائل أيزينهاور. أصابع بن غوريون مبللة بدم أكثر من ألف شهيد قتلوا بدم بارد في أماكن كرفح و خانيونيس و حي الزيتون و المغازي, غير الجنود المصريون الذين بلعتهم الصحراء.غولدا مئير تخبر الجمعية العامة في نيويورك أن " المشمار كفول" سيعودون من نزهتهم إلى البيت بعد أسبوع.

وبعد أسبوع في السابع من مارس , تخرج غزة عن بكرة أبيها لتتنفس هوائها الطلق في شارع عمر المختار . الوحدة الدنماركية تقتل فتى انتزع علم الأمم المتحدة من فوق السرايا. و غزة التي لا تعرف الحبر تأتي باللواء محمد حسن عبد اللطيف إلى السرايا, بينما تتمركز الوحدة الدنماركية في قطعة أرض خالية مقابل السرايا تبرعت بها محسنتان من عائلة أبو خضرة لبناء مستشفى.

و غزة , التي لا تعرف الحبر، تنسى أن تكتب اسمها و تكتب فلسطين بدلا منه. و غزة التى تحفظ الدرس، تعلمت أن الغزاة يرحلون و لو بعد حين. و يكون أن تكبر غزة على الدم، و يكون أن تكبر على البؤس، و يكون ألا تعرف غزة إلا البؤس ، و يكون أن يعود الغزاة بعد حين ، و يكون أن يتيه الجيش في الصحراء مرة اخرى. و غزة التي لا تنسى الأسكندر الأكبر لا تهمل الدرس، فالغزاة هنا طارئون و إن طال مكوثهم.

سبعة مارس ، اضراب المدارس. المدارس تعطل أسبوعا كاملا و غزة تحفظ الدرس. غزة التي لا تعرف الحبر, لا تكتب بقلم الكوبيا و لا بقلم الرصاص. غزة تكتب بالبارود في المخيم. غزة تكتب بالرصاص في المدينة. غزة تكتب بالطباشير و بالستناسيل في مدارس البنات. غزه تكتب بمطبعة الرينو التى جلبها معين بسيسو من بغداد في مدارس البنين . غزة لا تنتظر لا نيكولاي بودغورني و لا ديوايت ايزينهاور لتحيا، غزة تحيا على مخلفات الجيش المصري و بقايا جيش التحرير الفلسطيني لأربع سنوات كاملة.

سبعة مارس ، اضراب المدارس. الإشاعات لا تنقطع عن شواهد القبور التي تتحرك ليلاً في البرية المقابلة للمستشفى الإنكليزي . اتعرف في الصف الاول الابتدائى على محمد الاسود. محمد يحدثني عن حيفا, و أنا احدثة عن المجدل. اكتشف أن محمد يسكن غير بعيد عنا في بيت قديم ايل للسقوط بطبقتين و بغرفتين. يخبرني عن بيتهم المهدوم فى مخيم الشاطئ . لم اكن اعرف ان لا فرق بين بيت ايل للسقوط و بيت سقفه من القرميد. يحدثني محمد الاسود عن عمه جيفارا غزة و رفيقيه عبد الهادي الحايك، وكامل العمصي.

سبعة مارس، اضراب المدارس. شارون جرف شوارع المخيمات الضيقة لتتمكن ناقلات الجنود من التحرك. إسرائيل قضت على المقاومة. لم يبقى في غزة سوي جيفارا غزة و رفيقيه و بضعة عشرات الألاف من الخلايا النائمة. الطائرات المروحية تحلق فوق مستشفى الشفاء. يمر يومان على إجازة الربيع. الجيبات تحاصر محيط المستشفى. موشيه دايان يأتي لغزة ليتأكد أن جيفارا و رفيقيه لن يعودوا ليحكموها فى الليل. لم ينتبه دايان أن التراب ما زال يحتضن آثاراً لم ينهبها بعد و أن سبعة و سبعين ألفا و خمسمائة و نيف من الخلايا النائمة أفلتت من بين يديه.

سبعة مارس : أضراب المدارس . لم يكترث أحد بيوم المرأة العالمي. تلد أمي أخي الأصغر. يأتون ليهنؤننا بميلاده و بسلامتها. لم أكن قد بلغت العاشرة بعد. أعد لضيوفنا الشاي و أقدمه لهم . أخشي أن تسقط صنية الشاي من بين يديي. أنظر إلى الصندوق الخشبي بالأبيض و الأسود. إحدي عشر كوكبا يركبون البحر. لم نكن نعرف أن دلال كانت نجمة بين الكواكب. إهتزت البلد كاملة . مروحيات الهليوكابتر تمشط الغابات. القوارب تبحث عن زوارق زودياك مطاطية أخري في المتوسط. العمال لم يذهبوا إلي إسرائيل خوفاً من الإنتقام. عيزر وايزمان إرتدى خوذته العسكرية و إجتاح نهر الليطاني. لم ينتبه أحد أن أحد الشباب, الذين ركبوا البحر , ولد في خانيونيس بعد أربع سنوات من إعدام 275 شابا, و وجوههم إلى الحائط, في نفس المدينة.

سبعة مارس: لم تعد المدارس تعطل في هذا اليوم من السنة. الأولاد يذهبون إلى السلك. اللجنة العليا لمسيرة العودة و فك الحصار تشارك في المفاوضات حول إدخال الرواتب و التهدئة.



من أجل أربعة عشر دونما في القمر


و انا ايضا مثلك، انا لم افكر يوما في ترك البلد. انا مثلك تماما لم ارى نفسي في أسوأ كوابيسي مهاجرا بعيدا عنها.
كيف لي أن أترك البلد, و انا من كان يحرس المستشفى من الصراصير و الاوبئة،عندما كان حراسها يشربون القهوة في مكتب المدير الذي عُين بناء على تزكية اخية, سفيرنا في القاهرة. و انا الذي كان يداوي المصابين باستسقاء الرئة و الذبحات الصدرية عندما كان اخصائي القلب يقوم بزياراته التي لم تنقطع لمديرعام الوزارة ليناقش معه كتاب الرئيس بتعينه مديرا عاما للتخطيط في وزاره كان بها أكثر من مائه مدير عام.

انا مثلك تماما، لا اريد أن اهاجر الى بلاد لا تتكلم العربية، و لا اريد ان أسير فى شوارع لا اسمع فيها اغاني ام كلثوم. و لا اريد مثلك تماما أن أبتعد عن رائحة الفلافل و لا عن منظر نساءٍ خلفهن جيش من الأطفال. انا مثلك تماما اخشي من نظرات الأوروبيين لغطاء راس زوجتي و لبشرة بنتي السمراء و للكنتي الواضحة.

انا مثلك تماما، انا منحت هذه البلد عمري و شبابي و احلامي و عضلاتي و جنوني و فكري. لكن هناك فرق بسيط بيني و بينك، انا لم افكر يوما مثلك أنني كنت امنح البلد شيئا. انا كنت و ما زلت ساذجا جدا لدرجة أنني لم أنتظر منها شيئا. انا قضيت خمس سنوات في السجن و تعلمت و تخرجت و انتظرت أشهرا بل سنوات لاحصل على وظيفة، بينما انت حصلت على الوظيفة بتزكية من واسطتك أو بفضل كتاب رفعه فصيلك الى السيد الرئيس. انا كنت احمد الله على الوظيفة التى حصلت عليها بعد عناء، بينما كنت انت تواصل سعيك الحثيث عبر شطارتك و عبر الفصيل و الشلة و شبكه علاقاتك وعلاقات علاقاتك للحصول على درجة مدير أو مدير عام و واصلت نضالك حتى حصلت على سيارة الباسات و البدلات المضافة لراتبك.

انا مثلك تماما، لا اريد ان اركب المترو و لا اريد ان أواجه صدمة ثقافية برؤية الشقراوات بالشورت و هن يشربن البيرة البلجيكية على أرصفة شوارع أنتويرب. لكن هناك فرق بسيط بيني و بينك. انا رجل عادي بسيط لا يهتم به أحد، و لا يحسب الأمن الداخلى حسابا لة أو لرد فعل فصيله أو لتغطية وسائل الإعلام للحدث عندما يستدعيه للتحقيق حول نكته تافهة نثرها في الفضاء أو بوست سخيف شاركه على الفيس بوك. نعم انا رجل بسيط، بسيط جدا بالرغم من كل شئ، فأنا لن استشير اي عضو في المكتب السياسي لفصيلي عندما ساذهب غدا للاحتجاج في الترانس كما لم افعل ذلك عندما فعلت الشئ نفسه قبل سنتين في نفس المكان.

انا غيرك تماما. انا لم اشتري ربع دونم في الزوايدة أو في التوام أو في الشيخ عجلين، و لم أسعى لذلك. و لم احصل على قطعة أرض بكتاب من الرئيس ايام فتح و على قطعة أخري من سلطة توزيع الاراضي ايام حماس، و لم أسعى لذلك. أنا لم استثمر لا في شاليه و لا في شقة. انا اكتفيت باوراق الطابو لمائتين و تسعة و ثمانين دونما نجت عندما إضطر جدي ترك بلدتنا الأصلية. انا اكتفيت بالحلم بحصتي في ملكية اربعة عشر دونما في القمر.

انا غيرك تماما، انا لا اريد مثلك شارعا بحفر و قاذورات و بقطط نافقة لانني اعرف تماما ان ثمن هذه البشاعة هو بيوتكم الفخمة. انا لا اريد مثلك أن أقول أنني لن اهاجر بينما ابعث اولادي إلى اوروبا و كندا و أمريكا و أستراليا ليحتكوا بالحضارة، و أردد وراء جبران خليل جبران أن " اولادكم ليسوا لكم , اولادكم هم أبناء الحياة" .

انا غيرك تماما، انا هو الذي سرقت انت منه ورقته, التي قضي يعمل عليها شهراً و نصف, ثم وضعت انت اسمك بسهوله عليها، لتضيف إنجازا بسيطا جدا الى رصيدك الضخم من الانجازات و المآثر التي لا تنتهي , فانت احدث عضوإلتحق بالمجلس المركزي مع انضمام احدث فصائل منظمة التحرير اليها، و انت اخر عضو فى مجلس الشوري تم انتخابه في اخر مشاورات للحركة، و انت أحد المتحدثين الرسميين الذين باتوا يظهرون على شاشات الجزيرة و العربية و الميادين ليتحدثوا باسم الحركة بعد مؤتمرها الأخير ، و انت عضو المكتب السياسي للنجمة الحمراء و البندقية، و أنت الشخصية البارزة في المنظمات الأهلية , و انت عضو اللجنة العليا لمسيرة العودة و فك الحصار و انت ، و انت, و أنت ...

اما انا، فأنا غيرك تماما، انا الان في الاربعين ، انا الان في الخامسة و الاربعين، انا تجاوزت الخمسين ، انا قاربت على الستين، ... انا قاربت على الجنون ..انا اوغلت في الجنون..

انا غيرك تماما، انا سافرت من معبر رفح... انا لست مثلك حتى استخدم علاقاتي للحصول على تنسيق من حماس و من المصريين و من السلطة و من الإسرائيليين عندما أسافر عن طريق المعبر أو الجسر. انا دفعت رشوة... نعم دفعت رشوة فهل يستطيع أحد أن يخرج من غزة بدون أن يدفع رشوة..

انا الان في اسطنبول.... انا الان في سفينة بين تركيا واليونان.... انا الذي أقاموا له بيت عزاء في الشيخ رضوان و قالوا انه شهيد الخبز بعد أن غرق في طريقه من عنابة الى اسبانيا... انا اقبع الان في حجز مطار بروكسيل.. انا انتظر الان قرارا بخصوص طلب لجوئى للاتحاد الأوروبي.... انا الان في معسكر في إيطاليا.... انا الان في غرفة في اندرليخت لحين حصول اسرتي على تأشيرة من السفارة البلجيكية .... انا الان في امستردام، انا الان في اثينا، في كوالالمبور ، أنا مستقرالأن مع أسرتي في الصقيع في أوميا , أنا أسوي وضعي مع الحكومة السويدية في مالمو ... انا الان في شارع الترانس في معسكر جباليا ، في مخيم يبنا في رفح , في النصيرات ،في السلطان ، في بيرالنعجة، في جحر الديك ، في شارع البحر بجوار بيتك في خانيونيس .... انا الأن في الدرج أو في الشجاعية و الزيتون ....انا الذي تؤشر انت الان باصبعك نحوه و تردد الجملة التي تحفظها عن ظهر قلب بسخرية " الوطن ليس فندقا نتركه عندما تسوء فيه الخدمة" . انا الذي قدم طلبا للحصول على جواز سفر من رام الله للسفر في أقرب فرصة إلى الخارج؛ انا الذي هاجر من البلد ؛ انا الذي يحلم بالهروب من البلد حتى يستطيع أو يستطيع أبناءه الحفاظ على الأربعة عشر دونما التي يمتلكها على سطح القمر