11‏/05‏/2019

عن فوائد المنفى


عن فوائد المنفى
بالأمس هناك :: الأن هنا.


(1)
ليس مكاناً للعيش؛ أتأمل الدنيا بحيادأفتح نوافذ الذاكرة بدون خوف. أمارس النقد الذاتي بعيداً عن خلية الحزب. أركن ذكرياتي مع المتغطرس الأكبر جانباً أمشي وحيداًمروج المدينة تفيض خضرةً أكون لنفسي لأنفاسي و قلبي و أعضائي التي باتت تغزوها الشيخوخة المبكرة؛ أو على حد أقصى منذوراً لمحيطي القريب إلى درجة التماس الجسدي و تعانق الأنفاس و تشابه الجينات.


بالأمس هناك؛ أحتك مع ذاتي لأصارعها و أحاورهاأهرب إليها حين لا أستطيع الإحتجاج على السياق العام؛ ألتصق بها حين يهرب مني محيطي؛ أعانقها حين لا أجد من يعانق روحيأمشي في شوارع ليست ليأسمع الموسيقى تحت الجسرأراقب الرسامين في الهاي ستريت أغار منهمينفخ رجال يرتدون التنانير في القِرَبْيرفرف  قلبي مع الأعلام في مباراة هبوعيل بئر السبع.  ألمس الأصبع الأكبر لقدم تمثال ديفيد هيوم النحاسيأتذكرعنصرية هيجلأكتفي بمجاز التنوير. يلقي مادز جلبرت محاضرة  عن حرب صيف 2014 و عن مستشفى الشفاء و طائرات الإسعاف النرويجيةيتناول المقلوبة مع صديقته الأيسلاندنية  في منتصف نهار السبت  على معدة خاوية في شقتيأدخل إلى قاعة المطالعة لأهرب من البيت و من السجائر إلى نفسي و شاشة الحاسوب و موقع السوشيال ميديا.


بالأمس هناك؛ أحرر بلادي من الغزو الصليبي على طريقتي الخاصةأبحث عن أهلى في الفيس بوك وفي  الأخبار العاجلة أعشق وطني أكثرأمكث ساعات أطول أمام الحاسوبألاحق الأخبار. تلاحقني الأخبارأنقع قهوتي في الماء المغلى بكأس  طالب الأنثروبولوجيا. يتعاطف معنا بعد أن يخدم في جيش الدفاع هو من حيفا و أخيه يسكن في أريئيل. والديه مولودان في رومانياأحتل مكتب الباحثة المولودة في الجولان السوريتناصرنا و لا تتناول إلا  الكوشير لا تريد لإبنتها أن تنمو في مجتع مريض فتهاجر إلى هنا مع زوجها.

بالأمس هناك؛ أخشي على زوجتي و حجابها من الإسلاموفوبيا أبحث عن أبي بكر البغدادي في المراَة ترعبني ملامحي الشرقية و لغتي المتعثرةأسكن بالقرب من المسجد الذي بناه الملك فهد. أبحث عن الفوارق بين طالب الدكتوراه الباكستاني و الملا عمرزوجته لا تضع غطاء الرأسلكنها لا تصافح الرجالذكية و طيبة جداسمراء لكنها ليست جميلةقبل تغادر إلى موطنهاتمنحنا فناجين شاي كثيرة و خلاط كهربائي صغير.


بالأمس هناك؛ أجد مبررا قويا للتهرب من حلاقة شعر رأسي. أواظب على حلاقة ذقني كل صباح أحرص على تناول قرص الأسبرين لأتأكد أن الدم يسرى في عروقيأتحسس جسدي خوفا من خيانة الإشارات الضوئيةيتدفق الأدرينالين رتيبا في دميأحجز موعدا مع  طبيب السكري للمرة الأولى منذ إكتشاف المرض لدي قبل أكثر من عشر سنوات. أملأ استبانة مفصلة عني و عن مرضيتقيس لى الممرضة ضغط الدمتأخذ عينة دم من وريدي.أستعرض خبراتي الطبية. أرشدها بخفة إلى المكان الأفضل لسحب الدمتبتسم برضاتمنحني كأساً بلاستيكياًأملأه بالبول أضعه في المكان المخصصأعود إلى قاعة الإنتظاريحضر الطبيبيصحبني معه إلى مكتبه. ينكب على قراءة الإستبانة و نتائج الفحوصاتأنظر إلى ذقنه التي لم يحلقها منذ يومينيناقشني قليلا عن نوع الإنسولين الذي أتلقاهأتذكر زملائي في مستشفى الشفاءيمنحني جهازا لفحص السكري متصل بالإنترنتيحذرني من الاكتئاب.

بالأمس هناك؛ أراقب نزيف الشعر من السهوب ومن بين حجارة المباني القديمةأذهب إلى السينماأستمع إلى الفيلوهرومونياالمتسولون يعشعشون على أرصفة المدينةتنقاد الكلاب أليفةً للباحثين عن صحبةيدفنون الكلب بجوار قبر صاحبه الأمير. أتأمل أجساد الفتيات بدون خوف من الفتنة يغرد الوشم على أردافهن و أكتافهن  بالحريةيحط الحمام بدون وجل في ساحات المدينة الصغيرة معلناً عن الرخاءتخرج الباندا من نومها الطويل لتقضم أوراق الشجريحذرون من إنقراضهالا أحد  يتذكر الهنود الحمرالمطر الغزير يغسل الدم عن شوارع عمرها خمسمائة عامكانوا يصدرون الدم و البوليس إلى ما وراء البحر ليستوردوا العبيد و الذهب و البهاراتيخصصون وقتا للشايلا أشرب القهوة في ستاربوكس. أصنع القهوة الإيطالية في البيتتنفذ سجائريأتناول جرعتي من النيكوتين عبر سيجارة إليكترونية صغيرتي تحفظ جدول الضرب بدون أن تُضرب ببرابيج مدرسات الوكالة. تتابع المسلسلات السورية و الرسوم المتحركة على اليوتيوبمسلسل الموت و اللجوء السوري يثير ضجري المومس تستيقظ من موتها بعد شنقها لينجو جنينهاهاري بوتر ولد في هذا المقهى. أذهب الى البار الذي يحتسي فيه الأطباء و طلبة الطب البيرة و الويسكي.


بالأمس هناك؛ أقرأ فوكو و بوكوفسكي بعدما كنت أخجل من قراءة ما كتبه جان جينبية عن عجلون و شاتيلاالمثلييون يرسمون أقواس قزح على الغيوم . أبحث عن الشمس و عن الأيام الدافئة في النشرة الجوية أشتري كتاب لويزا واه قابلوني في غزة".
(2)    
توزعني المطارات على المطاراتو الحواجز على الحواجزو المعابر على المعابرو نقاط التفتتيش على نقاط التفتيش.


يعود الزمن ثلاثين عاما للوراءتذكرني فرانكفورت بموسكوأعوض سهري بالنوم على مقاعد الإنتظار في المطار.


يستوقفني رجل الأمن. يفتش  في وثائق سفرنا عن دمنا وعن ركام بيوتنايطلب تأشيرة الدخول المنفصلة عن وثيقة السفريستفسر عن سبب القدوميستودع التأشيرةالحيرة و الخجل تختلطان  بنبرة صوته الجادةيسأل زميله ذو الرتبة الأعلىينصاع لأوامرهيضع ختم الدخول على وثائقنايضيف إلى الختم للمرورثلاثة أيام". تتسائل طفلتي: "لماذا لا يحبوننا يا أبى"؟تتعثر إجابتي و تتأخرتلح الصغيرة في السؤالأبحث في مدينتنا الصغيرة عن سبب و في فردوسنا المفقود عن مبررأرتبكأستجيب لألحاح الصغيرة: " لأننا الأفضل يا حبيبتيلأننا من غزةلأن فلسطين لدينا بلا إضافاتلم يسمحوا  لنا أن نُزور وثيقة سفرنا و حين لم ترضهم هويتنا مسحوها و حولونا إلى أشلاء".


نمضي ثلاثة أيامِ في مدينة بلا روح و بلا أشباح مدينة تشتبك فيها الدنيا لتتحدتتعانق فيها أزمات المحيط لتنتج دولة و أمةَ و عرشا.


المؤسسةأه من المؤسسةالهوية صارت لديها بطاقة للإعاشةيافا أضحت مخيماًبيادر القمح صارت أكياس طحينأعادت تدوير مراكب الصيد إلى السردين المعلب في جبل طارق تمنحني المؤسسة تسهيلاتها  اللوجيستية  و رسوم الدراسة مقابل الظلم الوظيفي و برابيج "المتغطرس الأكبر". تتوسط لنا بالحصول على تصريح للدخول إلى الجنةأغامر بالعبور بدون إمتيازات الفي أي بي على الجسريكلفني الأمر وقتا و أعصابا منهكةأنتظر السماح بالمرورأتأمل مشية الضباط و العساكر بزي وزارة الداخليةيذكرونني بالمتغطرس الأكبر. يتلذذون في الحفاظ على انتظام الطوابيرأشعر أنني سجين مع وقف التنفيذأكسب نصف راتبي الشهري مقابل الإنتظار و القلق أربع ساعات.

توزعنا المعابر على المعابر و الحواجز على الحواجزمن صفر صفر حتى خمسة خمسةيحاكي عسس المقاومة أمن الإحتلال بورقة صغيرة مترجمة إلى الضاد  من لغة أليعيزر بن يهودا يحاولون انتحال السيادةالحلابات تقودنا إلى الحلاباتنخرج من الوطن المحتل إلى الوطن المحاصرمن عبق الياسمين إلى رائحة الجسد البشريمن الفردوس المفقود إلى الجنة الموعودة.
(3)    

يطالعني كل بؤس العالم مركزا في مدينة تتوشح بالاسمنت و الغبارتشق سيارة المؤسسة طريقها في أزقة ضيقةتتلاشى الفوارق بين القرية و المدينة و المخيم المشاة و الحمير و السيارات تتنافس على ملكية الشوارع. أدخل شقتي لأجد جيناتي في إنتظاري مسترخية على كرسىيعانقني دمي و هو في العقد الثامنيتبادل ظلى أطراف الحديث مع جسديينام ظلى متعبا من شدة النعاسيغادرني جسدي في مناميتاركاً لى خبزا و زيتا و فواكه.

الأن هناأخرج مصافحا المدينة بلا عناق بلا حب و بدون كراهيةأستعيد هويتي التي تنتجها الشركاتأستقبل زواري القلائلأعود إلى عملى بروح البدايات الجميلة لأرتطم بعمر النكبة جاثماً على صدر مركز صحيأسترخي بعيدا عن التكنولوجيا.

الأن هنايقودني الحنين إلى الأنينحرارة الجو تتفاعل بسهولة مع كيمياء الدمالفلفل الأسمر يمشي متخايلا  في الشرايينالهوية تمنح الأدرنالين قفزاتهتداهمني الذكرياتترميني إلى أسماك القرشتمضغنيتلفظني منهكاً إلى شواطئ المجهولأسمع لعجوز: " قلبي كله صدا؛ ما بحبش حدا". أتأمل في الصدأ الذي تراكم على قلبي.

الأن هناأهرب من مياه البحر الخارجة من الحنفية لتفاجئني الماء التي توزعها الشركات الصغيرة بطعم الصدأأهرب من بيت بلا كهرباء إلى البحر لأستنشق رائحة المجاري.

الأن هناما زال الصبار ينمو على جدران المدينةيدفعني صوت الزنانات إلى إنتظار موعد الحرب القادمة؛ عتمة الليل إلى إنتظار أي تحسن في جدول التيار الكهربائي؛ و اَذان الفجر إلى إنتظار القيامة.

الاَن هنايتحول محدودو المواهب إلى قادة أنجي أوزتزدحم الفصائل بالقادةالجماهير تذهب في إجازة غير مدفوعة  الأجريعمل خريج السجن الباريسي في منظمة إغاثة إنسانية فرنسيةالمنظمة الدولية تحول عامل النظافة في كوبات حوليم و التمرجي في تشعاريت تسيديك إلى منسقين لخروج المرضى عبر إيريزالحواة و السحرة يتحولون إلى قادة مجتمع و نخب و مفكرينكان جديرا بهم أن يجدوا لهم مكانا في الرويال مايل لييستعرضوا مهاراتهم الأكروباتية و ليجمعوا القطع المعدنية في قبعاتهملا بأس لو أرسلوا طلبات توظيف إلي السيرك الروسي.

الاَن هنايتقاعد المعنى عن وظيفته العامةو يعتزل الأمل مهمته الثوريةو يغرق الشعر في الخطابة اليومية.

الأن هنايستيقظ إدوارد سعيد من قبره في منامييذكرني بفوائد المنفى.

آب 2016



ستي نفيسة : كلام و صورة


لم أبحث في صورتها عن الأم تريزا و لا عن بدوية من صحراء النقب. بحثت عن نفسي في إشلاء ذكريات قبل الغياب و قبل أن يحل التعب. لم أستدعى جيشاً من الملائكة ليساعدني في نسخ صورة رمادية من ألبوم قديم,. لم أطلب من الفراشات أن تنثر ألوانها لتصير العجوز صبية. كانت بقايا الطفولة كافية في أن تتضافر مع عدم مهنيتي و جرائمي الفنية لتعيد العجوز عشرين عاماً للوراء. 

لم تكن تحكي لي "قصص الأنبياء" كزوجها. لم تقص علىَ كجدتي الثانية خراريف " نص نصيص" قبل النوم و لم تنصحني بقراءة " أية الكرسي" عندما لا تفلح الحواديت في إيداعي للنوم قبل نهاياتها . 

لم تنهرني. لم تدللنني بالأغاني و لم تهدهدني كالحمام. 

كل شيء عنها يبدو باهتاَ في الذاكرة مثل صورتها القديمة. وميضها يأتي و يذهب بلا يقين و لكن بدون شك, مثل إيمان عميق بدون طقوس. 

أخذ حصتي من قلبها. ولدت لأكون أول طفل من أبنائها الذكور الثلاثة, الذين جاءوها بعد نصف دزينة من الإناث. أخذ نصيب والدي, الثاني في سلسلة الذكور, من دلال لم أكن أدرك معناه. أخذ حصة الحفيد الأول الذي سيحمل إسم جده. 

أرافقها و جدي في الباص المتجه نحو المخيم. كان الباص شبه خاوي. كانت تحمل سلة فيها دجاجتين لم تذبحا بعد. 

تسافر جدتي إلى إبنتها في الحجاز. تعود من الحج بالهدايا و البخور و رائحة الجنة. أركب التاكسي المتوجه نحو القدس. أصاب بدوار البحر. أمشي خلفهم على شوارع أكلت الأقدام و التاريخ خشونتها. أكاد أن أتزحلق. ندخل في سراديب ضيقة تحت الأرض. الإنارة الشحيحة تبدد عتمة المغارة الضيقة المزدحمة بالحجيج و المصليين. ينحنون حتى يستطيعوا السير خلف الأنبياء. أمشي وحيدا بكل قامتي المنتصبة. ألمس أثر كعب الملائكة. يسكنني دوار البحر. أعتاد على المشي منتصب القامة برغم شعوري بثقل الملاكين الذين يجثمان على كتفاي. 

يصطحباني إلى بيتهما الذي تركاه لحين انتهاء الحرب. يتقفدان باب البيت , الجدران و النوافذ, و بيوت الجيران التي رحل عنها أهلها. يطرقان باب البيت. يسألان عن شربة ماء من الحنفية. كل شئ على حاله في البيت. يشربان الماء ببطء. عيونهما تجول في الدار. يمضغان الدمع المر. يخاف اليمني من عيونهما و رعشة أجسادهم. تلتصق حنفية قاع الدار و الجدران المطلية بالشيد في ذاكرتي البصرية . يخاف اليمني من ذاكرتي البصرية. يطردهما اليمني من البيت الذي إستوطنه. يطردنا اليمني بأدب جم. يطردنا اليمني بحزم حاسم. 

أمشي خلفها. أتعلق بأهداب ثوبها. تخرج مفتاحا من ثوبها. تتبعها إحدى بناتها. تمشي. تضع المفتاح في الباب كأنها تقوم بمهمة سرية. تفتح الباب. تدخل عمتي خلفها. الغرفة ضيقة. تبدو كأنها خالية من الأوكسجين. أدخل خلفهما فلا تكترثان. تقفلان الباب. الغرفة الصغيرة تزدحم بكل شيء. فول. سكر. طحين. برغل . رز . سكاكر. أواني. قدور. طناجر غبار و هواء قليل. كأن بقالة كانت قد أفرغت في هذا المكان المكتظ. تتناول صندوق معدني كتب عليه بخط الثلث " نادلر". تطل من الصندوق أسفل كلمة "نادلر" صورة ملونة لجمال عبد الناصر. تفتح الصندوق. أحسبه صندوق العجب و أن مارداً سيخرج منه. تمنحني قطعاً من حلوى الطوفي الملفوفة بالنايلون أخرجتها من الصندوق المعدني المذهب. أحاول أن أحرر الطوفي من النايلون فلا أستطيع. أطلب منها المساعدة. تكتشف أن حلوى الطوفي قد ساحت. تشير إلى أبنتها أن تخرج صنادق النادلر من الغرفة و أن توزع محتوياته.

تعتل صحتها. تخرج من المستشفى لتدخله. نلتقط معها صوراً ملونة. تصاب بالقدم السكرية. أعود من المدرسة مبكراً بناء على إيعاز الناظر. أحمل مع أحفادها الأخرين شموعاً في غرفة مظلمة بينما تغسل إمرأة جسدها المسجى على طاولة . يجد جهاز الجراموفون له وظيفة معتبرة بعد أن أضحى مجرد أداة للتسلية بعد إقتناء مسجلات الكاسيت. تصدح الإسطوانة بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد قارئاً لأيات من الذكر الحكيم. لا نفتح التلفزيون لأربعين يوماً إلا على نشرة الأخبار الوحيدة و الصور المتحركة. أكمل الصف الثاني الإبتدائي. نغادر بيتنا القديم ذو الساحة الواسعة إلى بيت جديد لم يكن إنشائه قد إكتمل تماما بعد. أشعر أن طفولتي قد إنتهت صلاحيتها


هلوسات العيد


ينتعل أمير المؤمنين بساط الريح في رحلتة إلى رئاسة المكتب السياسي. لا تسعف " الجِمال الخشبية" المصطفة على جانبي معبر رفح المسافرين أبعد من شرب ماء زمزم.
هاربةً من تهمة الاستجداء في موسم الأضاحي, تحدثني المرأة الأربعينية محاولةَ تنميق اللغة عن نية السعي إلى الرزق المستدام. تحدثني المرأة الذكية عن بحثها المضني عن أي عمل يقي أسرتها من الضياع حين تخون الصحة جسد زوجها المقعد, و حين يخون العمر الباحثين عن سراب السٍتر في بلاد لا يموت فيها أحداً من الجوع, ما داموا ينزفون دماً و ما داموا يطأطؤن رؤوسهم قليلاً في طوابير إنتظار بطاقات الإعاشة.
يتكاثر الفقراء, و محدثو النعمة, والمستجدون على الإيمان و الطقوس الجديدة و أصحاب زبيبة الصلاة. تتكاثر الخرفان و يزدهر القطيع, و تضاف إلى سنة الصوم في يوم عرفة أياماً عديدة. أكتشف أن " الكواليتي ستريت" أصبحت تافهة و رخيصة عند عشاق التفاخر والتظاهر في بلاد تشكو من شدة الفقر و من ظلم الحصار.
أنام متأخراً ليغزو الضحى وقت استيقاظي. أحلق ذقني. يلسع كحول الكولونيا جلدي . أرتدي ملابساً جديدة كما لم أفعل من قبل. لا أشعر بالذنب. كان الجديد من الثياب يحرجني و كانت ملابس العيد تصيبني بحمى الخجل. أودع نفسي. أدخل طقوس العيد بلا معنى. أجد صغيرتي تبحث عن المعنى في ورقة بنكنوت و مراجيح و حلى جديدة و زركشات الوشم الصناعي.
نلتصق ببعضنا أكثر. نسرج خيلنا الفولاذي و ننطلق في جولة سريعة.
كما يورث الفقراء الفقر لأبناءهم و بناتهم, لا يستطيع أبناء المخيم أن يبعدوا أباءهم و بناتهم عن المخيم. الوطن أنجب مخيماً و المخيم لا يكف عن ولادة المخيمات. أزور المخيم بعد غياب قصير. الأزقة مازالت على حالها ضيقة و بائسة كما كانت. الغرف ارتفعت عاليا لتغدو عمارات تصبو نحو مناطحة السحاب. قنوات المجاري المكشوفة فوق الأرض تسللت خفية تحت رصيف الشوارع الضيقة. يبقى المخيم على حاله؛ و إن كانت بساطة الماضي أزيحت لصالح الواقع العصي على الفهم.
أتأمل في حكاية اللص الذي أضحى مناضلاً في ضيافة مصلحة السجون في عقده السابع. تحيلني حكايته إلى حكاية المناضلين الباحثين في إرثهم النضالي و تاريخ السجن عن قطع أرض و فلل و شقق سكنية باذخة السعر. أتذكر المفكر الفذ الذي يدعي أن الإستعمار أضحى أفضل من الأنعتاق, و أننا صرنا العائق أمام حريتنا, باحثاً عن رصيد جديد في سيرتة الذاتية ليبرر فيه راتبه الشهري الذي يفوق راتبي السنوي. أكتشف أن أمير الحرب أفتتح مصنعا للحلويات الشرقية و أن العسس صار يشارك الحرفيين و التجار و سائقي التاكسي في صافي دخلهم. أكتب ملاحظة جديدة على نسختي القديمة من كتاب رأس المال عن القيمة الزائدة في زمن الرأسمالية الرثة.
يقودنا الطريق السريع, المرصوف بأموالٍ قطرية, من كابول إلى قندهار. أكتشف أن لا فرق بين المدينتين ما دام الظلام مهيمناً. يفاجئني التيار الكهربائي بضوء زائد عن الحاجة. أقاومه بالذهاب إلى نومي مغمض العينيين.
أرى أمراء المساجد, أمير الحرب, ضباط الدفاع المدني, أطباء الخدمات الطبية, القضاة الجدد في محكمة النقض, وكلاء الوزارات, رئيس مصلحة البريد, المدراء العامين, مذيعي فضائية الأقصى و رهط من الرجال الذين ترصعت أكتافهم بالنجوم و صدورهم بالنياشين و ثلة من المنقبات و من مرتديات البروكيني . كانوا جميعاً مع أمتعتهم في مطار يشبه مطار تونس الدولي. أشاهد وديع حداد يقوم بقيادة فريق من الجرافات التي تقوم بتسوية الأرض الترابية لمدرجات مطارسرقت حصمته. أرى أسطولا من أبسطة الريح على مدرجات مطار غزة الدولى.
قناة الجزيرة تنقل الأخبار مباشرة من رفح. منظومة القبة الحديدية في سديروت تطلق واحدا و عشرين صاروخ باتريوت وداعاً لأولائك الذين يستقلون أسطول بساط الريح التابع لخطوط شركة سندباد. فتيات بالشالة و البندانة يقمن برش الرز على رؤوس المغادرين. الفيلوهرومونيا القطرية تعزف نشيد كاتيوشا. مئات الألاف تصطف على جانبي شارع صلاح الدين. الجماهير تتقدمها قادة المجتمع.
الرايات الصفراء تغزو الحشد مكتوب عليها " أبوفادي حبيب الشعب, هلا و الله". كارل ماركس و الأمين العام للحزب الشيوعي يليسان تي شيرتات عليها شعار شركة جوال و كلمة "رنللي". عضو مكتب سياسي في إحدى الفصائل يلبس بدلة سفاري و يرفع يافطة حمراء مرسوم عليها صورة حنظلة و بورتيرية لغسان كنفاني و مكتوب عليها: " نطالب الجنرال بمضاعفة حصتنا الشهرية من الصندوق القومي". طبيب و عضو مجلس تشريعي يرتدي جاكيت كحلية من ماركة بوس و نظارات طبية يدلى بتصريح للسي أن أن مطالباً بإجراء إنتخابات قبل كل وجبة طعام و بعدها باستخدام الإنترنت و بضرورة إستخدام حملة البي دي أس للتقنيات الحديثة حتى تستطيع الوصول إلى أهدافها. أعلام سوداء ترفرف بدون أي شعارات. رايات خضراء مكتوب عليها " حزب الخضر يرحب بالجنرال". رايات حمراء مكتوب عليها " شركاء في الوطن , شركاء في القرار".
قادة المجتمع المدني يطالبوا الجنرال بعدم إستبعاد منظمات الأنجي أوز من التنمية. رئيس مؤسسة لحقوق الأنسان يوشوش مراسلة الحرة بألفاظ نابية. مراسلة الحرة لا تستطيع السيطرة على موجة الضحك التي إنتابتها على الهواء مباشر. الشخصيات المستقلة تصدر بياناً للرأي العام تعرب فيه عن شكرها للجماهير التي ساندتها أثناء فترة الإنقسام البغيض. المفكر الفذ ينشر مقالاً في النيويورك تايمز عن مزايا الجنرال. مكبرات الصوت المنتشرة على طول شارع صلاح الدين تبث قصيدة محمود درويش "خطب الجنرال الموزونة".
أستيقظ مذعورا على صوت سيارات الليموزين المصرية تمشي على البساط الأحمر. أسطول الليموزين يقل جيشاً أوله في راس لانوف و أخره في القرية البدوية في بيت حانون يتقدمه الجنرال حفتر. تعزف فرقة التشريفات العسكرية نشيد الهاتيكفا.
.
.
.
.
.
.


(2016 سبتمبر )


حكاية البحث عن "محمد راضي خليل".




اين هو الان؟ اكاد أن أكمل خمسة و عشرين عاما و انا ابحث عنه. ابحث عنه في ذاكرتكم و في صفحات الويب. إنه محمد. محمد إبن مدرستي الفقيرة النائية، التي كانت تعشعش فيها الوطاويط و المناشير و الطلاب القادمين من كل احياء البؤس شرق المدينة، و حتى من أطراف جباليا، القرية التي كانت تتمدد شمال شرق المدينة.

اين انت الآن يا محمد؟ اين اختفيت لابحث عنك بكل هذا الجد؟

على عكس اغلب، أو كل، رفاقي في المدرسة،  التحقت انت  بالقسم الادبي. لا اذكر كيف تعرفت عليك، و كيف عثرت عليك او تعثرت بك في طريقي من المدرسة إلى البيت. كان أغلب، أو كل، رفاقي في المدرسة الثانوية من بقايا زملائي الذين واصلوا الدراسة معي من ايام مدرسة الانروا الابتدائيه و من ثم من أيام المدرسة الاعداديه. كانوا جميعا من نفس الحارة. كنت اعرفهم و كنا نعرف بعضنا الأخر على مدار سنين طويلة. أما انت فلقد جئت من مخيم ما، من مخيم جباليا أو من  المغازي أو من النصيرات، لتسكن في أطراف الحي. في بيت لا أعرفه بين بيوت صغيرة أخرى في زقاق ضيق لا يختلف عن بيوت المخيمات. حتى اسمك الثلاثي كان يختلف عن اسمائنا. كان لكل واحد منا كنية أو اسم عائلة يتظلل بها، بينما كنت تحمل إسما ثلاثيا يبدو كالاسماء المصرية أو كاسماء نجوم السينما.

اين انت الان يا محمد؟ اين أنت الأن يا " محمد راضي خليل" ؟

اين اختفيت بعد غيابي عن البلد لثماني سنوات؟ اين انت الان؟ سألت زملائنا عنك. لم يتعرف عليك أحد من رفاق المدرسة و لا من جيران الحارة. لم المح في عيونهم اي استنكار, عندما سالت عنك. لم اشاهد اي تعجب على وجوههم عندما ألححت في السؤال عنك. لقد انكروك جميعاً كانك لم تكن. كانت اجاباتهم حاسمة و حازمة بأنهم لا يعرفونك أو لا يتذكرونك.

اين اختفيت يا محمد؟ اين هي الارض التي ابتلعتك؟ بحثت عنك في جدران المدينة، خشية من أن تكون علبة " بويا سبراى"  قد خطت اسمك  على جدار من جدران المدينة، فلم اجدك. بحثت عنك في قوائم الشهداء، فلم اجدك. بحثت عنك في الغرف المنفردة و البيوت الضيقة التي نمت على أطراف العزبة، في الجهة المقابلة لمسلخ البلدية، فلم اجدك. طبعت اسمك الثلاثي كاملا على محركات البحث، فلم اجدك. ظللت ابحث عنك و لا اجدك. ابحث عنك فلا اجدك الا في ذاكرتي.

كدت أن احسم الأمر انك محض وهم. كدت أن اجزم بجنوني، و انك مجرد هلوسات. امعنت تفكيري في علاقاتي السطحية العابرة و المبتسرة بالأخرين.  امعنت التمحيص في سذاجتي و في قدراتي العقلية. كدت أن انساك، لكنني اتذكرك جيدا. اتذكرك مثل ساعتي الرخيصة، التي تلف حزامها ذات يوم فوضعتها علي رف ما أو في درج ما في غرفة مكتبي لأكتشف  بعد حين  أنها إختفت  الى الابد. اذكر وجهك تماما. اذكرك هيئتك تماما.

 اليوم تذكرتك مرة أخرى. تذكرتك و انا انظر إلى الشهيد المغدور ابو جامع، و هو مكبل اليدين، بين ضباط الشاباك. اليوم تذكرت خوفك و جرأتك. لم تكن بحجم المغدور و هيئته. لكن وجهه ذكرني بوجهك. وجهه الخائف. وجهك المفعم بالتوتر. وجهك الخجول الذي كان سرعان ما يقطر بالعرق و يورد بالاحمرار. وجهك الخائف, الذي كان يتستر على  الجرأة.

تذكرت الطريق الذي كنا نخطه عائدين من المدرسة. تذكرت كيف اصطحبتك يوما الي الشقة الصغيرة في وسط البلد، عندما سلمت في مدخلها الأسير المحرر الذي كان  يدير في غزة مكتب جريدة، يرأس تحريرها بعثي قديم لتصدر مرتين اسبوعيا في القدس  ، خربشات من الكلمات و  من الجمل و رسومات بالحبر الاسود لامهرها باسمي الاول فقط. لا اعرف كيف اصطحبتك الى "عملى السري" هذا، فلقد كنت مصرا ألا يعرف احد عن مساهماتي التافهة في جريدة محدودة التداول.

تذكرت طريقي الى مكان سكناك. كيف كنت  اسال عنك، لنخرج لمجرد الحديث. اذكرك حكاياتك عن "فتح"، و انا الذي كنت متهما منذ البداية دوما و زورا باليسار. عن الزنازين و مقابلات المخابرات التي ستكون نصيب كل واحد منا  على الأغلب، و أنهم يملكون الحق في احتجاز أي واحد منا  لثمانية عشر يوما بدون أيه تهمة . تذكرت كلامك عن شهوات النساء و الحكايات التى كنت تسردها عما يجري في بيوت بغرفة واحدة و بنصف دزينة أو بدزينة من الابناء و البنات.

ما زلت اذكرك و اتذكرك. ما زلت ابحث عنك و لا اجدك الا في ذاكرتي، فارقد فيها كما عرفتك انت، لا كما انت . ارقد فيها،لأظل ابحث عنك و لاظل أعرف مدى سذاجتي و ابتساري، و لأتذكر تعقيدات و بساطة الزمن الذي عشنا فيه.


لماذا ؟


لماذا لم تخبرني عن ذلك ياعزيزي؟
لقد ظلمتك كما ظلمت الكثيرين. لقد ظلمتك كما ظلمتني الحياة. كدت أن اظلمك كما ظلمت الكثيرين. كدت أن اظلمك كما ظلمتني الحياة. برغم كل لطفك معي، كنت ابحث عن عيب فيك. و بالرغم من اني لم التقى بك الا مرتين أو ثلاثة مرات ، و بالرغم من أننا لم نتحدث على الموبايل اكثر من ذلك كثيرا، فلقد بدأت انبش عن عيوب فيك و في المواقف البسيطة و القليلة التى جمعتنا. كنت تستفزني بهدوءك و لطفك و دماثتك. و بالرغم من كل هذا اللطف و من كل تلك الدماثة، كدت أن أفسرهما بطبيعة عملك في بزنيس مراقبة و تقييم مشاريع الممولين الدوليين.
كدت احسدك على نصوصك المدهشة التى طالما نشرتها على الفيس بوك. نصوصك الصادقة ، حد الفضيحة , التي سرعان ما انتشر بعضها كالنار في الهشيم, حتى أضحيت واحدا من علامات السرد في بلادنا. كدت أن احسدك على نصوصك الباهرة و نجوميتك المتحققة؛ لكنني سرعان ما وجدت مفارقة لافتة في كتابة النصوص القصصية و السردية و رزقك و مهنتك الجديدة في كتابة بربوسالات التقييم و المراقبة التي تقدمها للمانحين. لقد وجدت تناقضا فاحشا بين الأمرين و سرعان ما راجعت نفسي و سخرت من الادب الحداثي و المابعد حداثي الذي يركع أمام المموليين الأجانب و نصوص الفيس بوك الخاضعة لشروط الذائقة العامة.
لماذا لم تحدثني عن كل ذلك أيها الوغد الصغير ؟؟!!
لقد ظلمتك و ظلمت نفسي. لقد حسدتك على سيارتك الحديثة عندما وصلتني من المكتب الاستشاري الذي تعمل فيه إلى بيتي بعد أن قابلتك في اول مرة. حسدتك على عملك في المكتب الاستشاري الذي تعمل فيه بالإضافة إلى تلقيك راتبا من السلطة مقابل عدم ذهابك الى العمل في وزارة الصناعة و العمل في بلاد صناعتها الأولى هي البطالة عن العمل . طالما حدثت نفسي اننا كلنا، خصوصا المحظوظين منا و انت واحد منا ، قد تحولنا الى اوغاد في ظل هذا الواقع الوغد.
لماذا لم تقل لي ؟؟؟!!!
لقد ظلمتك و ظلمت هدوءك و انت تخبرني ان الاستاذ الجامعي، الذي لا يترك أي مشروع أو عمل في مجالنا المشترك الا و يضع قدما أو يدا أو اصبعا فيه، قد اقترح شخصا اخرا غيري ليساعدك في المهمة التى رست عليك و على المكتب الاستشاري الذي تعمل فيه. لقد قرأت تعاطفك معي في عينيك و في كلامك عندما شرحت لك طبيعة الحرب التى يشنها على هذا الاستاذ الجامعي، لكننى حنقت عليك عندما اخبرتني في المرة التالية التي جلسنا فيها سوية أن مسؤول المنظمة الدولية في القدس اصر خلال اجتماعكم عبر الفيديو كونفرنس على أن يكون الشخص الذي اقترحه الاستاذ الجامعي مساعدك في المهمة التى اقترحت على أن اساعدك فيها. كنت انظر إلى عينيك و نبرة صوتك الهادئة و المتعاطفة و انت تزف لى الخبر بأنني شخص غير مرغوب فية من ممول المشروع الذي ستقوم بتقييمه و من الاستاذ الجامعي الذي يقدم النصيحة للممول.
لماذا لم تخبرني؟؟؟!! فلقد ظلمتك و انا افسر تعاطفك معي و لطفك الشديد بقدراتك الديبلوماسية العالية و بمهارات اتصالك التى تمكنك من التعامل مع كل هؤلاء الاوغاد و من الطفو فوق هذه البيئة الفاسدة. لماذا لم تخبرني؟؟ لقد اتهمتك ببرودة الأعصاب و نعت قلبك بأنه قلب ميت.
لماذا لم تخبرني ؟؟؟؟ لقد حسدتك و ظلمتك. لقد ظلمت نفسي و انا اراكم الدموع و المرارة في حلقي بكاءا على حظي العاثر، و حسرة على عداوه الدنيا لي. لقد ظلمت نفسي و انا اؤنبها على ما فعلت و ما لم تفعل. لو قلت لي، لكنت قد سخرت من غزة و انا اراها لأكثر من مرة بالصدفة عارية. لكنت قد حسدت نفسي على رؤية بلد كاملة بكل من طفا فوق سطح بؤسها و جبروتها و ضعفها عارياُ. لكنت قد سترت قبحها. لكنت قد وجدت مبررا للأستاذ الجامعي الذي تربى في العوز لكي يتصرف كمقاول الأنفار. لكنت قد بحثت عن جمال ما , لم أراه يوما , في بشاعة هذه المدينه.
لو قلت لى لكنت قد وجدت سببا لبرودة اعصابك و لقلبك الميت. لو قلت لي لكنت قد وجدت مبررا لقدرتك على الحياة وسط كل هذه البشاعة. لو قلت لي لكنت قد وجدت مبررا للحياة. لكنت قد توقفت عن حقدي الاعمي على المحظوظين في غزة. لكنت قد توقفت عن تعاطفي اللامحدود مع المنحوسبن في غزة. لكنت قد توقفت عن حسدي لك. لكنت قد توقفت عن ندب حظي العاثر. لكنت قد توقفت عن نظراتي التي تستفز البلد و كل من فيها بعد أن تخيلت أنني رأيتهم جميعا عراه، و أنني قرأت أفكارهم ، و مسكتهم جميعا متلبسين بجرائمهم الصغيرة و الكبيرة.
هل كان على أن أنتظر كل هذا الوقت. هل كان على أن انتظر أن تقصف الطائرات عمارة سكنية مؤخرا. هل كان على أن أنتظر أن يستشهد صديقك في القصف. هل كان على أن انتظر أن تكتب نصا على الفيس بوك كي تنعى صديقك الشهيد. هل كان على أن أنتظر كل هذا العمر كي اعرف انك فقدت والدك في الحرب عندما كنت في الثالثة من عمرك قبل اثنا و خمسين عاما، و كي اعرف ان طفلك قد استشهد في الحرب و هو في الثالثة من عمره قبل عشر سنين . لماذا لم تخبرني عن كل ذلك ياعزيزي؟؟؟ لماذا لم تساعدني على أن احسد نفسي ، و أن ادللها ؟؟؟ لماذا لم تساعدني على أن أجد مبررا لاصدقائي الاوغاد ؟!؟ لماذا لم تساعدني على أن أجد لغزة مبررا كي تكون كما هي؟





صباح الخير ايها الحزن...


صباح الخير ايها الحزن...


اريد ان أودع هذا الحزن. اريد ان اشتاق لهذا الشعور باللاجدوى. اريد ان اتخلى عن اكتئابي و وسواسي القهري.


اريد من اتخلص من جرعات الادرينالين و السيروتينين الفائضة في دمي. اريد ان اجتث اشتياقي للسجائر و خوفي من الموت و خجلى من الحياة. اريد ان أبتعد عن "لاروتيني" اليومي و عادتي الأثيرة بشرب القهوة وقتما اشاء، و كيفما أشاء. اريد ان اشرب مشروبي الساخن في وقت محدد كما يفعل النبلاء في بريطانيا العظمى و في الروايات القديمة .


اريد ان اشرب البابونج أو اليانسون أو الميرمية أو الزهورات أو اي شيء ساخن مثلما بات يفعل المناضل القديم و عضو القيادة الوطنية الموحدة بعد أن أصيب باول جلطة قلبية بعد أوسلو, فاقلع عن تدخين السجائر، و استبدل الشاي و القهوة بمشروبات ساخنة لا تجلب التوتر، و استقال من فيصله السياسي , ليأخذ راتبه المعتبر من موسسة الا ن جي اوز , و ليرعى تجارة أولاده في الأراضي و العقارات, من خلال علاقاته التي كونها عبر تاريخه النضالي, و ليستمر في قراءة الجرائد اليومية و الإفتاء في الشأن العام.


اريد ان أتوقف عن الاهتمام المَرَضي بالأخبار القادمة من البلاد التى تسكنني. اريد ان البس هذه البلاد وقتما اشاء و اخلعها وقتما اشاء كما افعل مع ساعة اليد .


اريد ان اتخلص عن وسواسي القهري بمتابعة الانتخابات الاسرائيلية و انتخابات مجلس طلاب بيرزيت و ربيع الجزائر و صيف الخرطوم .


اريد ان أتوقف عن تحديث صفحة موقع الانترنيت الاخباري , بين كل فينة و أخرى بعد منتصف الليل لاعرف أن كان تحالف التجمع و الإسلامية قد اجتاز نسبة الحسم ام لا، بالرغم من اني لم اكن يوما من المعجبين بالاسلامية, لا الشمالية و لا الجنوبية, و لم اعد مهتما منذ أن غادر مؤسسه البلاد, لا بالتجمع و لا بالوعد الذي مثله عند اطلاقه ، و بالرغم من اني لم اعد متأكدا من جدوى و لا من ضرر المشاركة في الانتخابات الاسرائيلية أو من مقاطعتها.


اريد ان أتوقف عن الشلل يوم النكبة و يوم الارض ، و انا اتابع صور المحتشدين على السلك و الشهداء و الجرحى على الفيس البوك، لاعيد نشرها على التويتر، بالرغم من اني لم اكن يوما من المؤيدين لمسيرات العودة و فك الحصار.


اريد ان امنع الغدد الدمعية عن الإفراط في افرازاتها و أنا أفرط في الحنين . اريد ان امنع جفوني من الغرق في الدموع، و أنا أتذكر هزائمي المتكررة و رفاقي الاوغاد الخونة. اريد ان امنع جفوني من الفيضان بعد أن تجاوزت الخمسين من العمر, فهذا عيب على رجل في بلاد يقاس فيها منسوب الرجولة بالملح, و هذا أمر مشين في بلاد يعتبر فيها الكذب ملح الرجال.


اريد ان اتحدث برزانة مثل ضيوف نشرات الأخبار و البرامج الحوارية الذين يتم الدفع لهم بالعملات الصعبة مقابل مشاركاتهم فيها . اريد ان اكون مقنعا للجميع مثل القائد السياسي الذي يأتينا بعد كل في حرب على غزة ليرفع شارات النصر مع إسماعيل هنية, بينما يشارك مع ابو مازن في اجتماعات اللجنة التنفيذية. اريد ان يتفق معي الجميع، بدلا من ان يختلف معي الجميع.


اريد... اريد....اريد ان انسى نفسي ... اريد ان انسى نفسي و لو قليلا... عفوا، اريد ان اتذكر نفسي و لو قليلا.... اريد ان اتذكر أن كل هذه المشاعر و الطقوس جعلتني على مدار السنين مثل الخرقة القديمة البالية التي يتجنبها الجميع؛ مثل الخرقة القديمة التي لا تنفع في أي شيء سوى في تنظيف بوتوغاز قديم في مطبخ قديم.


اريد ان انسى الماضي؛ أن اتجاهله قليلا، حتى استطيع أن أعيش حياتي الجديدة. اريد ان أتوقف عن ملاحقة معدلات وفيات الأطفال في غزة، لافهم الفوارق في معدلات الحياة المتوقعة على طول خط الاندرجراوند في جلاسكو. اريد ان انسي احلامي الصغيرة، احلامي التى طالما سعيت ورائها و أخفقت في الوصول إليها. اريد ان انسى احلامي الكبيرة، احلامي التي لا تغيب عني لالاحقها و لتلاحق بصري, لتبقى سرابا أسعى وراءه بلا كلل و لا ملل.


اريد ان انسى، اريد ان انسى لاحيا، لاجد خبزي اليومي، و فرحي اليومي، و حزني اليومي. لا اريد نبيذا معتقا ، و لا فرحا غامرا و لا حزنا غائما. اريد ان انسى، لاستطيع أن اتعاطف مع المشردين و الهومليس في البرنسيس ستريت في إدنبره . اريد ان انسى اللاجئين في جباليا و الشاطيء لافهم معاناة اللاجئين القادمين من ادلب و درعا و دوما و من البنجاب و كشمير و قندوز و شيراز و طهران. اريد ان انسى أصحاب الأطراف المبتورة في غزة لاترك متسعا لفهم اختلافات مؤشرات الصحة على طول "الجوبلاي لاين" في لندن، اريد ان انسي خلافاتي القديمة مع كل المقتنعين أن كل شيء على خير ما يرام في بلادنا الموبوءة بمقولة أن " القناعة كنز لا يفنى " ، لاترك فراغا صغيرا أو كبيرا يمكنني من فهم ما يحدث في الصحة الدولية و المدارية و الاستوائية ...


اليوم استيقظت صباحا لاكتشف أنني نسيت كل شيء. نسيت حزني المزمن، و افراحي الغير مكتملة، و احلامي المجهضة، و الشوارع الترابية التى كبرت وسطها ..نسيت صور الشهداء، و خيانات القادة، و خيبات الجماهير، و رثاثة البروليتاريا و وضاعة البرجوازية و خساسة المثقفين و بؤس الواقع.


اليوم صباحا، وجدت أنني تركت نفسي في البلاد التي تركتها. اليوم صباحا، تيقنت أنني أودعت نفسي في النسيان. أودعت نفسي في ثلاجة الواقع، فأصبح جسمي يفرز الادرينالين و السيروتينين و الكورتيزون و الاندورفين و التيستستيرون بحساب دقيق حسب الحاجة و الطلب. تخلصت من فوضي مشروباتي الغير كحولية . لم اعد اتابع الاخبار القادمة من الشرق الأوسط. تخلصت من عبء احلامي الكبيرة و نسيت احلامي الصغيرة. لم اعد اهتم بالاخبار العاجلة القادمة من السلك و لا من شارع الترانس في جباليا , و لا من موقع السبعطش في دير البلح. صارت كل الاخبار مثل نشرة الأخبار الجوية. صرت اشاهدها لاستثمرها في عملي.


انا الان اقوم بعملي بمهنية عالية، بدون ادني مشاعر. اراقب الفروق الطفيفة في المؤشرات الصحية. ادرس الظواهر بموضوعية تامة حسب المعرفة المحدودة التى امتلكها حول الموضوع المحدد. افعل تماما مثلما يفعل الخبراء الدولييون الذين يأتون إلى بلادنا متباهين بحياديتهم تجاه النزاع.


انا الان لم اعد اهتم بالمشردين في شوارع إدنبره و لا بالفوارق بين الناس لا في جلاسكو و لا في لندن. لم اعد اهتم باللاجئين من أحلامهم الى احلامهم، كل ما يهمني أن احصل على مكافأتي الشهرية و أن ارتقي في وظيفتي. انا الان قادر على شرب الزهورات بدلا من الشاي و القهوة مثل المناضل المخضرم الذي يشرب البابونج و ينتظر كل شهر راتبه الذي يتلقاه من المنظمة الغير حكومية مقابل قراءة الجرائد اليومية و إسهامه في الشأن العام .

 أنا الأن معطوب مثلكم جميعا, لكنني بدون شمس دافئة و أدرينالين زائد.

انا الان مثل الخبير الدولي الذي حدثته ذات يوم عن مفارقة إلحاق سيدة, تستخدم لولبا لمنع الحمل وضعه طبيب خاص في رحمها ، ببرنامج رعاية ما قبل الحمل في مركز صحي عمومي. انا اليوم محايد جدا و مهني فوق العادة مثل هذا الخبير الدولي الذي نصحني أن أترك كل هذه الترهات و أن أتعامل مع الفساد كفولكلور فلسطيني لا مفر منه.



05‏/04‏/2019

سأنساك

سامحني
سأنساك. سأنساك قليلا. سأحذفك من قائمة أصدقائي على الفيس بوك. لن تستطيع بعد اليوم أن تؤرقني بمنشوراتك التي لا تنقطع عن الفيس بوك. لن اسمع بعد اليوم الاحدي و العشرين طلقة التي تطلقها كل يوم في السماء، في سماء الفيس بوك. سامحني، فلم اعد أحتمل طلقاتك التي تطلقها تحية للجميع , للبسطاء و للزعماء و للانبياء و للشياطين و للملائكة و للآلهة. كما لم اعد أستطيع أحتمال كل هذا الصمت الذي اعلنته، كل هذا الصمت الذي أعلنته احتراما لأرواح الشهداء التي صارت تصعد للسماء بلا انقطاع و بلا معنى و بلا هدف... لم أعد أستطيع أحتمال كل هذا الصمت الذي أعلنته حدادا على كل هذا اليأس . سامحني، سأنساك قليلا، لن تكون بعد اليوم ضمن قائمة ال see first على الفيس بوك.

سامحني، سأنساك. سأنساك كثيرا. لن يخرج علي شقيقك بعد اليوم ليناديني باسمك. لن يعود ليذكرني مرة اخرى بمدى الشبه بيننا. لن يذكرني و هو القادم للتو من درعا أو من الدرعية الي عمان, كيف صنعت خمسة عشر عاما من غيابه عنا بعد إجتياح بيروت , مني نسخة قديمة منك.

سامحني سأنساك قليلا. سأنساك و لو بعد حين. قد تأتي سيدة لي في عيادة الانروا لتذكرني بك. ستسألني عنك. لترضي فضولها بالاستفسار عن علاقتي بك. قد تأتي سيدة لتقطع حبل نسياني. قد تأتي واحدة أنهت الدراسة الثانوية، قد تأتي أخرى انقطعت عن دراستها الثانوية قبل عشرين عاما، قبل ثلاثين عاما، قبل أربعين عاما أو حتى قبل خمسين عاما لتسالني عنك ، عن علاقتي بك ، عن سر الشبه بيننا. ستأتي مريضة تعاني من ارتفاع ضغط الدم أو مدرسة تطلب إجازة مرضية لتشوش نسياني. قد تأتي مثلما فعلت الأستاذة ام مروان التى كانت تعمل في مدرسة الرملة المجاورة للمدرسة التي طالما عملت بها. ستسألني إن كنت اخاك الأصغر. قد يفاجيء دخولي على مكتب مديرة مركزللنشاط النسوي مجموعة من الناشطات, اللواتي يدخنن السجائر في الخفاء و يضعن الحجاب، فيباغتنني بالسؤال ان كنت قد صغرت في العمر و الهيئة.

سامحني، سأنساك قليلا. ستفسد نسياني ثلة من النسوة في ساحة التاكسيات. قد يطرحن على السلام. قد تتجرأ احداهن بدفع شيكل عني و انا اركب السيارة.

سامحني ، سأنساك. سأنساك قليلا. سانساك. قد يقطع على هذا النسيان رجل عجوز يندهني باسمك في سوق الزاوية. ساتجاهله، و سيصر مرة أخرى على أن يناديني باسمك. ساتذكرك عندما ينظر إلى بياع الفجل او الخس أو البصل الأخضر و ينادي على باحترام في سوق الزاوية: اتفضل يا استاذ محمد. ساتذكرك في نظرات بائعات الجبنة البلدية، و في نصيحة سيسديها لي بائع السمك في حسبة سوق فراس.

سامحني أيها النسيان. اعذرني أيها النسيان. ساتذكره قليلا عندما اخاف من الموت. عندما اتوتر. عندما يؤرقني الليل. عندما اتشاجر قليلا مع زوجتي. عندما أشكو من الصمت و من الملل . عندما أوغل في اللامبالاة و في الاكتئاب , عندما أصاب بالجذل. عندما اقلع عن التدخين. عندما افكر بالعودة عن الاقلاع عن التدخين. عندما أتصنع. عندما أتصرف على سجيتي. عندما احاول تخفيف وزني. عندما أشعر بالغصة التي لا تفارق قلبي. عندما امضغ مرارة حلقي. عندما انظر إلى وجهي في المرآة. عندما اتذكر الله. عندما اتذكر تناقضات الفلاسفة. عندما أقرأ اسمي الرباعي في جواز السفر. عندما أقرأ اسمي الثلاثي في شهادة المدرسة، في نتيجة مسابقة أفضل موضوع إنشاء بمناسبة عام الطفل العالمي في 1979, في لوحة الشرف، في تبليغ أمن المؤسسات، في شهادة خلو الأمراض, في شهادة حسن السير و السلوك, في تبليغ الأمن الوقائي، في استدعاء الأمن الداخلي، في رخصة قيادة السيارة ، في قائمة المرشحين لوظيفة لن احصل عليها أبدا ، في شهادة ميلادي، في اوراقي الرسمية, في أوراقي الغير رسمية’ في أوراقي القديمة، في أوراقي الحديثة , في أوراقي التي لم تكتب بعد, في .. و في و في...

سامحني.سانساك. سأنساك قليلا. سأنساك كثيرا. سأنساك الى الابد. ساعدم كل صورك. ساحرق كل البومات صوك القديمة. ساحذف كل صورك من كومبيوتري. سأنساك. ساحذفك من ذاكرتي. ساحذفك من ذاكرة حاسوبي. سألغي صورك من الوون درايف. من موبايلي القديم . ساحذف محادثتي الأخيرة معك على الماسنجر. لن اعود الى الماسنجير لأتأكد أنني كنت قد أرسلت لك نسخة مقرصنة من "جمهورية كأن". لن اسال نفسي ان كنت قد استطعت أن تقرأها كما قرأت كل روايات الأسواني و إلياس خوري و إبراهيم نصر الله و صنع الله إبراهيم, التي أحضرتها لك, قبل أن تصمت على الفيس بوك.سأنسى كل ندمي أنني لم أفعل ذلك و ذاك. سأنسي كم كنت أحبك. سأنسى كم أحبك. سأنسى كل شجاراتنا و كل مشاحناتنا و صداقتنا . اعذرني لاني سأنساك. سأنسى كل شيء. أعذرني لاني ساقضي عمري و انا احاول ان انساك. أعذرني لاني سأموت في سبيل أن استطيع ان انساك. سامحني.

04‏/04‏/2019

صور

صور

(شظايا سيرة)

::
صور. أنقاض عمارة حسونة. تحدثني أُمي أنه كان أمامنا أن نشتري شقة صغيرة في العمارة القريبة من قصر الحاكم, أو أن نبني بيتا صغيرة في اخر الزقاق الضيق, الذي سكنا فيه مقابل "دار سيدي"، حيث كانت جدتي     تعتني بنا عندما تكون أمي في عملها في المدرسة.
::
صور. تتطاير الصور في السماء. تتوزع السماء في الصور. تتطاير  الأيام  في الصور.  الصور تلاحق الصور.  

صور. المسها باناملي الناعمة. اشاهدها في الالبوم. اتعلم التصوير على كاميرا الزينيت المستخدمة التي اشتراها والدي من رفح. لا احد يعرف متى بدأت تجارة الأنفاق و لا متي ستنتهي.

صور. اخزن الصور في الذاكرة. امشي في الشارع الترابي. لا شوارع الا حيث الشوارع الترابية. اهجم على كومة من النفايات. اوراق بالعبرية. متعلقات بدون أية قيمة. خردة. يأتي العمال ، متعهدو العمال، و تجار و انصاف تجار بالاثاث المستخدم مجانا او بسعر بخس و يحملون معه كل كراكيب الدنيا. تسحرني أكوام من نيجاتيف الصور، و من أشرطة أفلام السينيما المنزلية. انكب على الأشرطة و على  نيجاتيف الصور. احصل على كنزي. احرص عليه. اتمعن في صور العائلات المستقرة. حفلات الزفاف. أطفال وديعون في عمري, بقمصان زاهية و احذية لامعة. امشي حافي القدمين. تلسعني السميطة. تتسرب رطوبة التراب الى قدماي في الشتاء. اعشق تجميع  أشرطة النيجاتيف من الزبالة. اعراس. طقوس منزلية. كؤوس من النبيذ. تعالج عيناي و دماغي النيجاتيف. انظر الي العالم و تلتقط عيناي و دماغي نيجاتيف لما يحدث حولي.
::
صور. عرض عسكري لكتائب القسام في شارع الترانس. صور. الهروات تحلق في الهواء. الهروات تهبط على ظهور المتظاهرين. صور. الصواريخ تنطلق من مكان ما في غزة. القبة الحديدية مجرد " قبة" من ورق.  الطائرات الحديدية  تنشر حمم النار في السماء. الطائرات تنشر الدمار على الأرض. صورلمندوب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان مبتسما في دير البلح بجوار سيارة حديثة و رأسه ملفوفة بشاش مبلل باليود و بالدم. صور. آثار السياط  على ظهور  من خرجوا من مقر الأمن الداخلي.
::   
صور. صور. سعيد القاسم يقدم نشرة أخبار السابعة مساءً من أوريشاليم. التلفزيون الاسرائيلي ينقل الصور من ميدان مسجد فلسطين. باسم ابو سمية و شيرين ابو عاقلة يخرجان من راديو مونتي كارلو للبث على موجات الاثير القادم من جوار القدس. اغتبط لسماع مقاطع من لماذا تركت الحصان وحيدا من الراديو. الرصاص يتطاير في الهواء المجاور لمسجد فلسطين في غزة. اصغي لنشرة اخبار صوت فلسطين. المذيع يتحدث عن فئة مارقة. اغلق الترانزيستور و ادفن الإذاعة وهي في عامها الأول.
::
صور. ياسرعرفات يصطحب مصوره الشخصي "حسين حسين" الى المنتدى. اصادق شهادة الطب من وزارة الخارجية الروسية و السفارة المصرية في موسكو.  اشاهد مباريات كأس العالم و موكب ياسر عرفات في الطريق بين رفح و غزة. تقلني طائرة شارتر الى مطار بن غوريون. رجال الأمن الإسرائيليون يفتشونني في مطار شيرميتوفا. رجال الأمن يتشاجرون مع طالب من الجليل. أذهب في جولة من السلك للسلك بالاوتوبيانكي.  نزور المنتدي. اشاهد ورنر كريستوفر مع الزعيم الفلسطيني. اشاهد ياسر عرفات لأول مرة في حياتي. يحاولان الاقتراب من القائد. رجال الأمن   يقفون حائلا أمام ذلك. نخمن بأن  حراس ورنر كريستوفر إسرائيليون.انأي بنفسي عن الاقتراب من ياسر عرفات.يترجم لنا رجل ملتحي المحاضرات الافتتاحية لدورة تثقيفية في براغ. اشاهد صورة ياسر عرفات و الرئيس التشيكوسلوفاكي في الصفحة الأولى لجريدة الاتحاد. المترجم التشيكي يظهر بوضوح في الصورة. احتفظ بجريدة الاتحاد في ارشيفي.

 ياسر عرفات يمنح  فني صوت سابق  في تلفزيون أبو ظبي بضعة غرف في  المنتدى. حارس مرمى النادي الاهلي  يتحول إلي مقدم برامج و عضو في المجلس التشريعي. سفير منظمة التحرير السابق في موسكو ضيف دائم على تلفزيون فلسطين. مدير الوكالة الفلسطينية للانباء "وفا" في بيروت يفتتح مقهى و مطحنة للقهوة أمام مستشفى الشفاء. ارى السفير السابق و حارس المرمى مع مدير وفا  , يحتسون القهوة التركية مرارا في ديليس. ارتطم بزامور سيارة إسعاف تنقل جثمان عبد المعطي السبعاوي. يأتون بجثة هشام مكي الى مستشفى الشفاء بعد  أيام  محاولين إنقاذه من رصاصتين في الرأس و الصدر. مهدي ابو سردانة مستعد أن يحول اي جملة الي جملة موسيقية. التلفزيون  يبث اغنية" صور يا مصوراتي صورة لاهلى و خواتي".
::
صور. الصور تتوقف في صندوق الجولد ستار. الزنانات تشوش على التقاط البث. الزنانات تطير في الهواء كالذباب المزعج. طنين الذباب يصم الاذان. ذبدبات الذباب تنذر بقيام القيامة.

صور. الزنانات تطير فوق رؤوسنا. الزنانات تطير فوق أعناقنا. فوق أجسادنا. فوق البنايات التى نقيم فيها. فوق الهواء الذي نتفسه. الزنانات تلتقط الصور. الزنانات ترسل الصور الى حاسوب تنظر إليه فتاة فاتنة. شاب وسيم. ياخذ احداثيات الموقع. تأخذ زبدة المعلومة. تخزنها في قاعدة البيانات. يضغط على الحاسوب. ينطلق سائل حارق من الزنانة. ينفذ من نافذة أو فتحة في السقف. تتلاشى الاعضاء. تذوب العظام. طائرة الاباشي لا تعتذر للقبيلة التي تحمل اسمها. طائرة الاباشي تخلد ذكرى الهنود الحمر الذين ابادهم احفاد القادمين من مجاعات البطاطا و بقايا محاكم التفتيش. طائرة الاباشي تحلق فوقنا. طائرة F16   ترمي حممها في السماء. طائرة F16   تصوب حمولتها على الهدف. زنانة أخرى تحلق فى السماء. الزنانة تلتقط صور الأشعة رباعية الأبعاد. رئيس الوزراء يختبئ في قسم الأشعة. تسيبي ليفني تهدد بقصف قسم الولادة.  

صور. تتكاثر الصور. صور الذباب. الزنانات. الضحايا. الجناة. اتجشأ من كثرة الصور. تحاصرني الصور . صور لركام البيوت. للشهداء. للقادة الملهمين. لمشاريع الشهادة. لمشاريع القادة. للامناء العامين للفصائل. لاعضاء اللجنة المركزية. للمجلس الثوري. للمجرمين. لمجرمي الحرب. للصوص الاراضي. للصوص الملكية الفكرية. لأعضاء المجلس المركزي. للمحللين السياسين. لخبراء التنمية.  لورق الطابو.  لاملاك الغائبين. لضحايا الحصار. للمبدعيين. للمساكين. لمن لا تنتشلهم الصور من البؤس.
::
صور.صور القصف. صاروخ ينطلق بالخطأ من رفح ليصيب منزلا في شمال شرق تل أبيب. ال F16  تحلق فوق غزة. صورة ليافطة شركة الملتزم للتأمين و الاستثمار وسط ركام بقايا مدخل عمارة قديمة.  إصابة  مقر للأمن الداخلي بالقرب من قصر الحاكم . اتذكر الجميزات. كنا نستقل سيارة الأجرة من ساحة التاكسيات إلى قصر الحاكم. كان والدي يقول للسائق "على الجميزات". كان عم والدي يسكن في بيت واسع بالقرب من قصر الحاكم. كنا نمشي بالقرب منه, كنا نخاف من الجنود. كنا ننظر عبر السياج لنري الجنود مستلقيين على مراجيح بين الأشجار أو يلعبون تنس الطائرة. قبل أن أبلغ الخامسة عشر من عمري، غادر عم والدي بيته المستأجر القريب من قصر الحاكم الى بيت مستأجر آخر في شارع رئيسي في حي الشجاعية. بعد قدوم السلطة, حول صاحب البيت,  الذي إستأجره عم والدي بالقرب من قصر الحاكم أوئل السبعينات, بالشراكة مع فنانة مصرية إلى مقهى أسمياه   " الطاحونة".
::
صور. صور شبان يحرقون اطارات الكاوتشوك. يرمون الحجارة على جنود مددججين بالحديد و البارود و قنابل الغاز. فتيات بالمراييل المخططة يرجعن  من مدارسهن قبل الظهر بجوار حائط خطت عليه الشعارات. شارع فهمي بيك مسدود بالبراميل. جدار كتب عليه: " بلادي لي و للعمال تبقى و لن تبقى لتجار السلاح".

صور. في روسيا البيضاء,  نستعيض عن الطحينية  بالمايونيزونصنع الحمص بالبطاطا؛ و في روسيا البيضاء, احرص على جمع الصور من مجلات الفصائل. اقلد رسم الصور الملونة التي كانت تظهر على أغلفة فلسطين الثورة. ارسم الوجوه و تخوم الأجساد بريشة غير دقيقة بالحبر الاسود و اعبأ الفراغات البيضاء بالالوان المائية. احلم باقامة معرضاً للصور. و تبقى روسيا البيضاء بيضاء كالشهور السته التي قضيتها فيها.

 تنهمر الصور. صور الأمين العام للحزب. افتتاح المؤتمر السابع و العشرين. أعضاء المكتب السياسي. شهداء الوطن السوفياتي في الحرب الوطنية العظمى و في اعالى جبال افغانستان. صور النياشين في كل مكان. أغلفى مجلة " أوجانيوك". أفيشات فيلم " موسكو لا تعرف الدموع". في محج قلعة, أشاهد امرأة بكامل بهائها تحمل مسدسا في حقيبتها. المحه و هي تخرج اوراق البنكوت السوفياتية لتدفع ثمن الرسالة المسجلة المرسلة الى صنعاء. الاطفال يمارسون طقوس الحلم الاشتراكي. الاطفال يمارسون طقوس الحزن السوفياتي. الاطفال يلعبون بفرح. الاطفال يضعون الزهور على ضريحِ شهداء الحرب, بينما أقرأ جريدة تشرين السورية. لم اجد في كشك الجرائد المقابل لبيت رسول جمزاتوف اي شيء اقراه بالعربية سوى تشرين و انباء موسكو. الاول من ايار, اكتشف أن قائدة الكومسومول تأخذ الحضور و الغياب في المسيرة. اتذكر مسيرة يوم العمال في رواية الام. تعودنا  على الحمامات العمومية في سكن الطلبة و لم نعد نشعر بالغثيان.
::
صور. تنهمر الصور. جمال الدرة يحتضن ابنه. تقلني سيارة الأجرة من شارع صلاح الدين إلى مستشفى ناصر في خانيونييس. الرصاص يتطاير حولنا و نحن في السيارة بالقرب من البوليس الحربي و لا نسمع صوته. يعلمني سائقو المرسيدس أن هدير موتور السيارة في اذاننا أعلى من  أزيز الرصاص و حتى من القصف. اكتشف بالقرب من عمارة جاسر أن لفتح علما باللون الاصفر، اخاله راية لحزب الله . اصعد الى وحدة القلب لاعاين مريض و اشاهد نشرة الأخبار. أعرف أن محمد الدرة قد قتل بالقرب من البوليس الحربي. كل شيء تغير ، أصبح اسم البوليس الحربي مفرق الشهداء.

صور. صور الشهداء على أعمدة الكهرباء. صور الشهداء في ملصقات الفصائل. الشهداء في السماء بلا أوسمة و لا نياشين. أسمع عبد العزيز الرنتيسى يتحدث من اذاعة لندن عن الشهداء المتوضيئين. المستشفي يستقبل الشهداء و مشاريع الشهادة من حاجز التفاح, من حكر الجامع , من شارع صلاح الدين, من رفح و من كل مكان جنوب مفرق الشهداء . الرصاص مصوب إلي الرأس, إلى الصدر,  إلى الأطراف ؛ و الجنود  يختبرون قدراتهم في قنص شريان الفخد.  صحفي فرنسي يخبرني أنه شاهد أشعة حمراء قبل وصول الرصاص إلى هدفه.

صباح الجمعة, أعود من مناوبتي الليلية في مستشفي ناصر. سيارة المرسيدس  تتجه غرباً لتمر عن طريق البحر. أشاهد جموع متناثرة بالقرب من قصر الحاكم. الدخان يتصاعد في السماء. السيارة تصل إلى الجندي المجهول. جموع أخرى بالقرب من محل لبيع الوجبات السريعة. تصطف صناديق لزجاجات المشروبات الغازية و العصائر أمام المطعم الشعبي, كأنها كانت عرضة للتفتيش. ألاحظ  زجاجات من البيرة مكسورة و  مرمية علي الأرض. يستقل راكب جديد سيارة الأجرة. يخبرنا أن الأولاد أحرقوا مقهي الطاحونة لانه يقدم المشروبات الروحية و ينشر الرذيلة. أشاهد إسماعيل هنية و إسماعيل أبو شنب يتمشيان بالقرب من الجندي المجهول. أخرج رأسي من شباك السيارة الأمامية و أصرخ كالمجنون, لكن هدير المحرك  كان أعلى من صوتي حسب سائقي المرسيديس. 
::
كبرت , هرمت , شاخت أعضائي . تحولت إلى خرقة بالية,إلى  كومة من الخردة , كومة من أشرطة نيجاتيف الصور القديمة. أتركوني و لو لحين. لا ترموني الأن, ارموني عندما تتخلصوا من آثاثكم القديم, إرموني عندما ترموا فصائلكم القديمة و الحديثة , عندما تتخلصوا من قياداتكم , من ألابيم صوركم و نياشينكم و شعاراتكم و خطاباتكم التي لا تغني و لا تسمن من جوع , من حزنكم القديم و فرحكم المزيف , من بؤسكم المعتق و ثرائكم المؤقت. إرموني إن شئتم , إرموني متي تشاؤون , إرموني الآن فلم أعد أصلح لالتقاط الصور.أتركوني لاغادركم إلى طبيب العيون لأعرف كم سنة باقية حتي يتلف عصبي البصري.