01‏/01‏/2008

يحدث الأن في غزة


اليوم , قتلوا سته في غزة

هكذا يودعون عاما , حققوا فيه إنتصارا على كل شيء

لا أحد يعرف حقيقة ما يجري في غزة

كل شئ مشوه و ملوث هنا , في هذا المكان الذي قدر لنا أن نولد فيه

إسرائيل ليست مسؤلة تماما عن كل ما يجري هنا

حماس ليست مسؤلة تماما عن كل ما يجري هنا

فتح ليست مسؤلة تماما عن كل ما يجري هنا

ما يجري هنا ليس فقط الحصار الإسرائيلي, و لا دموية حماس و فسادها, و لا خيبة فتح و فسادها , و لا عجز الأخرين , و لاغلاء الأسعار, و غياب السلع, و ليست فقط الكارثة الإنسانية التي تحذر منها وكالات الأنباء و منظمات الإغاثة ؛ ليست البشاعة التي تسير بها الحياة هنا , و لا المجتمع الذي يتفكك , و لا القيم التي تغيب, و لا الأمل الذي نبحث عنه فلا نجده, و لا الصومال التي تزحف نحونا ؛ ما يحدث الأن في غزة شيء لا يمكن وصفه و لا تخيله ؛ و ما علينا إلا أن نتحلى بدرجة عالية من البلادة , و أن نبحث عن أي شيء جميل يمنحنا مبررا للحياة

28‏/12‏/2007

عسل

"يوم كانت كلـماتي/ تربة.../ كنت صديقا للسنابل/يوم كانت كلـماتي/ غضبا.../ كنت صديقا للسلاسل/يوم كانت كلـماتي/ حجرا.../ كنت صديقا للجداول/يوم كانت كلـماتي/ ثورة.../ كنت صديقا للزلازليوم كانت كلـماتي/ حنظلا..../ كنت صديق الـمتفائل/حين صارت كلـماتي/ عسلا..../ غطى الذباب/ شفتي!.." كلام قديم لمحمود درويش

16‏/11‏/2007

كل شيء مباح و ممكن

1
سجن غوانتانامو فضيحة أخلاقية وسياسية للإدارة الأميركية، ووصمة عار في جبين النظام القضائي، والعدالة في الولايات المتحدة. هذا صحيح. وصحيح، ثانياً، أن من حق المعتقلين فيه الحصول على محاكمة عادلة. وصحيح، ثالثاً، أن التحقق من إدانة أو براءة هذا الشخص أو ذاك لا يتأتى دون محاكمة. وصحيح، رابعاً، أن سوء الحظ ربما أوقع البعض في قبضة الأميركيين بعد احتلال أفغانستان، وساقه إلى هذا السجن الرهيب


ولكن الصحيح، أيضاً، أن عدداً من القابعين هناك من أعضاء، أو أنصار، القاعدة وطالبان. وأن هؤلاء وإن كانوا يستحقون محاكمة عادلة، إلا أن اعتبارهم مقاتلين في سبيل الحرية يعتبر إهانة للذكاء البشري، وتزييفاً للحقيقة. فهم إرهابيون لا يستحقون الشفقة أو التعاطف

وليس صحيحاً أن الإرهابي في نظر شعب ما هو المقاتل في سبيل الحرية لدى شعب آخر، إذا كان المقصود عصابة تقسّم البشرية إلى مؤمنين وكفّار، وتقترف أعمال قتل وحشية ضد المدنيين في بلاد العرب والعجم، وتتبنى أيديولوجيا تكفيرية تهدد الدول والمجتمعات على حد سواء
2


مع هذه الخلفية في الذهن، يمكن الكلام عن مصوّر "الجزيرة" المعتقل في غونتانامو، الذي أصبح بنداً ثابتاً على شاشة الفضائية القطرية. تُنظّم باسمه مظاهرات في مناطق مختلفة من العالم العربي، يخرج فيها محترفو مظاهرات واعتصامات، وباحثون عن ربع دقيقة من الوقت الثمين على الهواء
ويُستضاف باسمه أشخاص للكلام عمّن رآه، أو سمع عنه، أو منه، ومتى أكل، أو نام وقام. وبين الفينة والأخرى "يتنادى" حقوقيون ونشطاء في منظمات حقوق الإنسان لتنظيم حملات تطالب بالإفراج عنه. بينما ينهمك مخرجو المحطة في استغلال أفضل ما في "الفوتوشوب" من تقنيات لتركيب مشاهد بصرية درامية تجمع بين حمامة، أكثر أناقة من حمامة بيكاسو، ووجه السجين الذي أصبح أكثر شهرة من بعض رؤساء الدول
من حق كل مؤسسة، بصرف النظر عن بضاعتها، الدفاع عن موظفيها بطبيعة الحال. لكن التعامل مع قضية ثانوية وتحويلها إلى خبر عاجل يواظب على الدوام على مدار الساعة ينم عن ميل إلى المبالغة والابتزاز، أكثر مما يوحي بالتزامات مهنية وأخلاقية. ربما كان الشخص المذكور بريئاً، لكن تبرير وجوده في السجن برفض التعامل مع الأميركيين ضد المحطة يمثل استخفافاً بعقول البشر، من ناحية، وتحويلاً للمسألة برمتها من سوء حظ إلى ثبات على مبدأ، لا نعرف ما هو بالضبط، لكنه يكفل لصاحبه تسمية سجين من سجناء الحرية، من ناحية ثانية


3


وهكذا يتحرّك الحقل الدلالي خطوة إضافية، بدلاً من سوء الحظ، إلى ثبات على مبدأ. ولكن ماذا لو كانت لدى المذكور علاقات فعلية بالقاعدة وطالبان، تبرر اعتقاله، وتبرر الارتياب في كل محاولة للتضامن معه أو الدفاع عنه؟صحيح أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولكن تجربة سابقة توحي بأن الإدانة نفسها مرشحة للطعن إذا جاءت مخالفة لموقف المحطة وأصحابها من الحقيقة. ففي وقت سابق أدانت محكمة إسبانية مراسلاً للمحطة بتهمة التعاون مع القاعدة وطالبان، لكن "الجزيرة" طعنت في الحكم بدعوى أن القضاء الغربي متحيّز ضد العرب والمسلمين. وبالتالي تحوّل المُدان إلى شهيد حي، لمجرد أن الغرب يكره المسلمين، وأن الأميركيين لا يحبّون المحطة.وإذا وضعنا التهييج الأيديولوجي الرخيص عن الغرب والأميركيين جانباً، فليس ثمة ما يبرر تصديق "الجزيرة" وتكذيب الإسبان، أو اعتبار مؤهلاتها الأخلاقية أكثر جدارة من مؤهلات القضاء الإسباني. وبالتالي، ليس ثمة ما يبرر اعتبار المعتقل في غوانتانامو بريئاً لمجرد أن أصحاب الشغل قرروا ذلك
بيد أن موقف "الجزيرة" وأصحابها من الحقيقة يستحق معالجة أبعد من تحويل قضية لسجين في غوانتانامو، أو إسبانيا، إلى موضوع للابتزاز الأخلاقي، والأيديولوجي، والمزايدة السياسية، فهؤلاء في نهاية الأمر مجرد أسماك صغيرة في لعبة أكبر وأكثر تعقيداً، تستهدف بفضلها دولة، يقل حجمها بالمعنى الديمغرافي عن مدينة رفح، اللعب مع الكبار، والتصرّف على طريقتهم
وإذا وضعنا الآمال الكبيرة التي تتعب في مرادها الأجسام، وما تنطوي عليه الدونكشوتية القطرية من دلالات كاريكاتورية جانباً، ووضعنا نظريات المؤامرة، وخدمة الأميركيين، جانباً، ووضعنا علاقة المحطة بالقاعدة وجماعات الإخوان المسلمين، أيضاً، جانباً (دون التقليل من ضرورة تأمل هذه الأشياء في سياقات أخرى)، واكتفينا باستخدام حكاية الأسماك الصغيرة كوسيلة إيضاح، تكون هذه المقالة قد حققت الغرض، ونكون قد وصلنا إلى لبّ الموضوع

4


ولبّ الموضوع أن في علاقة الفضائية القطرية بالحقيقة ما يعيد التذكير بعالم أورويل، حيث تتحوّل استراتيجيات التسمية إلى ممارسة للكذب بتقنيات رفيعة. فباسم حرية التعبير، يتم بألف طريقة وطريقة (تتراوح بين مقابلة، وصورة، وصياغة، وتعليق، وتكرار) تقسيم العالم إلى مسلمين، وغير مسلمين، وتقسيم المسلمين إلى مجاهدين وقاعدين، وتقسيم العرب إلى ممانعين وخانعين. ورغم ما في تقسيماتٍ كهذه من فجاجة، وإثارة للغرائز، فإن التعامل معها كممارسة لحرية التعبير يتحقق بشرطين، إذا غاب أحدها، أو كلاهما، تصبح الممارسة شيئاً آخر غير حرية التعبير

أوّل الشروط انسجام التقسيم بالمعنى الأيديولوجي والسياسي مع أيديولوجيا وسياسة الجهة التي تموّل المحطة، وتتبناها، أو حتى مع مواقف جهات تقوم بالدعاية لها، وتعويمها بالمعنى السياسي والإعلامي. وثانيهما، المصداقية بالمعنى الأخلاقي، والسياسي
فلو كانت المحطة إيرانية، مثلاً، لما كان في الأمر ما يثير التساؤل، بحكم أن إيران دولة راديكالية، ذات طموحات إمبراطورية، لديها الكثير من الأعداء في المنطقة والعالم، وهي مستعدة للمجازفة، والدفاع عن نفسها بالسلاح إذا اقتضت الحاجة. وفي سياق كهذا يصبح توظيف الإعلام نوعاً من تحصيل الحاصل
ولكن ما أدراك إذا كانت المحطة قطرية، تبث من مكان لا يبعد كثيراً عن قاعدة أميركية أديرت منها الحرب على العراق، وتمارس، من بين مهام أخرى، حماية النظام في قطر
وما أدراك إذا كانت قطر تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل، ويستأذن حاكمها من الإسرائيليين للسماح لطائرته بالوصول إلى بيروت، بعيد الحرب الأخيرة على لبنان، ليرفع شارة النصر في الضاحية الجنوبيةوما أدراك عندما تتصدّر أخبار اعتقال ومحاكمات الإخوان المسلمين في مصر نشرة الأخبار، بينما لا تحظى أخبار التنكيل بهم في سوريا، التي تعاقب على الانتماء إلى الجماعة بالإعدام، باهتمام يُذكر وما أدراك إذا كان في وسع المحطة العثور على أصولي "يختفي في مكان ما من موريتانيا" للتعقيب على الانتخابات في ذلك البلد يوم وقوعها، باعتبار أن كلامه عن التناقض بين الديمقراطية والإسلام يمثل حدثاً إعلامياً يصعب التغاضي عنه، بينما لا تستأثر زيارة شيمون بيريز للدوحة بأكثر من خبر في شريط الأنباء، لا في النشرة الرئيسة.ثمة أمثلة إضافية كثيرة، خاصة طريقة تعويم القاعدة في العراق والجزائر والصومال وباكستان، وتنظيمات الإخوان في أماكن أخرى. ومع ذلك، تكفي الأمثلة السابقة للتدليل على حقيقة أن ثمة الكثير من التناقض بين الرسالة السياسية والأيديولوجية للمحطة، وبين مواقف أصحابها، وأن ثمة الكثير من التناقض بين المكوّنات الأيديولوجية والسياسية للرسالة نفسها


5


ولكن الكلام عن تناقض كهذا للتدليل على وجود رائحة عفنة في مكان ما لا يحل المشكلة. فالتناقض، أي تبني الموقف ونقيضه، والجمع بين مواقف متناقضة بالمعنى السياسي والأيديولوجي، واعتناقها بالقدر نفسه من الحماسة، مسألة عضوية وذات دلالات أبعد من الافتقار إلى المهنية وممارسة الكذب وإثارة الغرائز. وهي بقدر ما تقصي أورويل تستحضر أورتيغا غاسيت
ثمة ما هو أبعد، تختزله الدونكشوتية القطرية، في فرضية مفادها أن كل شيء مباح وممكن، إذ يمكن للإنسان أن يكون صديقاً لإسرائيل وحماس، ولأميركا وللقاعدة، وللأصوليين في مصر، وللبعث العلماني في سوريا، في وقت واحد
كل شيء ممكن ومباح: دفع خمسمائة مليون دولار نيابة عن فرنسا لإطلاق سراح الممرضات البلغاريات، تمويل حماس، التحضير لنوبل عربية تنافس نوبل السويدية، تحويل الدوحة إلى ملاذ للأصوليين، وعاصمة لألعاب أولمبية قادمة، وقاعدة أميركية قائمة، وممثلية إسرائيلية دائمة، وحتى مكاتب لجولياني عمدة نيويورك السابق، المتخصص في شن حملات ضارية ضد العرب والمسلمين، وإنشاء فروع لجامعات أميركية، تستضيف شيمون بيريز شخصياً، والدخول على خط الأزمة في فلسطين، واليمن، والسودان، والصومال. ناهيك، طبعاً، عن شغل البزنس، والعقارات في الشرق والغرب. وما المانع أن تُضاف إلى هذه الأشياء فضائية تحرّك الماء الراكد في المنطقة، وتضرب هنا أو هناك تحت الحزام
بالنسبة لبلد في حجم ومكانة قطر السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية، معظم ما سبق من أشياء يدخل في باب الكماليات، ولن يعتب عليها أحد إذا نأت بنفسها عن تسعة وتسعين بالمائة من مشاغلها الإقليمية والدولية، فلا هي كوبا، ولا الفاتيكان
ومع ذلك، لا يمثل النموذج القطري سوى حالة كاريكاتورية لسيادة أخلاق، وصفها أورتيغا غاسيت بعد الحرب العالمية الأولى، بأخلاق الممكن والمباح، وهي تشبه إلى حد بعيد ما نعيشه في الوقت الحاضر في نظر أميركا، وإسرائيل، والحكومات العربية، والحركات الأصولية، كل شيء مباح وممكن. فالأولى تقتل وتحتل باسم القانون الدولي أو ضده لا فرق. والثانية تقتل وتحتل حتى لو وقف العالم ضدها، لا فرق. والثالثة تقمع شعوباً مغلوبة على أمرها، بلا حسيب ولا رقيب. والرابعة لا تتوّرع عن قتل المدنيين في كل مكان بلا تأنيب من ضمير، أو شفقة على أبرياء، وتشعل حرباً أهلية في كل مكان تجد موطئ قدم فيه
6


لم تكن الأمور، دائماً، على هذا القدر من السيولة والبشاعة. هنا، أيضاً، في فلسطين الواقعة بين سندان الاحتلال ومطرقة الميليشيات، وفي كل مكان آخر، اختلطت الأشياء. بيد أننا قد نتمكن بفضل ملاحظتين لغاسيت- حول ما آل إليه الحال في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى- من تشخيص الواقع بأدوات جديدة على الأقل
الملاحظة الأولى: ما تملّك الناس بعد الحرب من إحساس مطلق بالحق لا يوازيه سوى الإحساس بانعدام المسؤولية والواجبات. والثانية: ما تجلى لديهم من كراهية لكل ما هو فوق المتوّسط بالمعنى الإنساني والسياسي والثقافي، سواء تمثل في أفكار أو أشخاص. فالعامة، على رأيه، تحب المساواة، وتبغض التفوّق
المثير في الأمر أن غاسيت كتب هذا الكلام قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بقليل، وأن تلك الحرب أصبحت ممكنة بفضل صعود أيديولوجيات تستجيب لما لدى الناس من إحساس مطلق بالحق، وتمكنهم من التعبير عن كراهيتهم لكل ما هو فوق المتوّسط بإنتاج وعبادة ثقافات وأفكار فقيرة وما دون المتوّسط
وهذا الأمر مثير بشكل خاص لأن أيديولوجيا الأصولية الإسلامية فقيرة وما دون المتوّسط بالمعنى الإنساني والسياسي والثقافي، ولأن جماهيرها تملك إحساساً مطلقاً بالحق في كل شيء، وتكره ما يخالفها أو يختلف عنها في كل شيء
يمكن لهذه الجماهير وأيديولوجيتها في زمن المُباح والممكن أن تكون جزءاً من الكماليات بحكم ما تدر من الأدرينالين، وما تخلق من إحساس متوّهم بالأكشن، دون الاهتمام بتناقضها مع غيرها من محتويات الخزانة الأميرية، أو الانتباه إلى الفرق بينها وبين كماليات مثل الألعاب الأولمبية، رغم أن الأولى تسهم في القتل وتحرّض عليه، والثانية بريئة. هذه أشياء قليلة الأهمية في نظر "الجزيرة" وأصحابها، ففي عالم
يشبه عالم ألدوس هوكسلي الجديد الشجاع، بعد انهيار الحواضر العربية، ومعها السياسة والمعايير، كل شيء مباح وممكن
.
.
.
.
المقالة لحسن خضر

20‏/10‏/2007

يوم عادي



لم ينتهي اليوم بعد , الساعة الأن هي العاشرة و النصف مساء, و أنا أستمع إلى كوكتيل أو كولاج موسيقي يتقطع من حين لأخر بسبب رداءة الإنترنت . اليوم كان عاديا جدا , لم أمت قبله , و لست متأكدا كم سأعيش بعده , لم أتغير , ما زلت كما أنا طفل حالم , و عجوز جبلته إخفاقات الحياة , لكنها لم تمنعه أن يعيد الكرة مرة أخرى و أخرى , لم تتحقق نبوءة العرافة : " لن تعيش أكثر من تسع و ثلاثين سنة يا فتى " , و لكنها قد تتحقق , فسكر الدم , و دهونه , و السمنة الزائدة , و القلق المزمن , و الحدة في الطباع في هذا الزمن المائع , و العامل الوراثي , و الموت الذي يسرح و يمرح في شوارع المدينة , كل هذه أسباب كافية لأموت بعد حين

لم أكتب قصتي , و لم أغير نفسي , و لم أتغير , لكن يبدو أن العمر والزمن يقتلان أشياء في ببطء , كذلك البطء الذي تسير به حياتي

عادي هو اليوم , إستيقاظ مبكر و حمام سريع و ذهاب إلى العمل بذقن محلوقة بعد صلاة سريعة , عمل رتيب أضفي عليه لمساتي الغير فنية , المشوهة كعادتها: طوشة صغيرة هنا و مشاحنة هادئة و غير مباشرة مع زميل في العمل هناك , و معارك بلا هدف ولا معنى إلا رغبة في الكمال , و بحثا في تفاصيل الحكاية و العدل و القيم الغائبة ؛ و إلا نتاج لرومانسية لا تغيب عنها الفظاظة ,و دموع ترقد على تخوم المقلتين , , و خوف على شيء يسمونه الضمير , و قلق يكاد أن يشلني , و حساسية في زمن البلادة , و أشياء لا تتسع لها سطور النص لكنها تستوطن روحي طوال الوقت ؛ أشتري بيجامة خريفية رخيصة مستوردة من " جمهورية الصين الشعبية" لصغيرتي من محل مجاور لمكان عملي , و أشتري الجريدة من المكتبة المقابلة له

أعود إلى البيت بعد أن أمر على مكان عملي السابق , الذي أنهيت خدماتي منه بسبب تغييبي عن العمل لما يزيد عن خمسة عشر يوماَ ,حسب ما تقول الأوراق الرسمية, أعود إلى البيت بقطايف , و بلحم يكفي حتى نهاية رمضان, و حمص, و عصير مركز يكفي لما قبل العيد, و كيلو طحين لقلي السمك, و فوط نسائية, و بيجامة خريفية للصغيرة , و الجريدة اليومية التي لم أعد أقرأ سوى عناوينها و إعلانتها؛ أعود إلى البيت حاملاَ أكياس مشترياتي , أمشى مسافة طويلة كالعادة في الطريق إلى موقف التاكسيات التي تذهب إلى بيتي؛ أدخل إلى البيت , تلاقيني زوجتي, و أقبل صغيرتي,أفتح الحاسوب و ألقي نظرة على العنكبوت " كما يسميها خطيب الجمعة" , أنظر إلى بريدي , الكثير من السبام و رسالة من صديقي الفرنسي الذي ينوي زيارة غزة بعد شهر من الأن ,أشاهد مقاطع من المسلسل المعاد ثم أذهب كالعادة إلى السرير لقضاء قيلولتي الطويلة, توقظني أمي على المحمول لتهنئني , و أعود إلى قيلولتي, أستيقظ قبل الإفطار بأقل من ساعة , ألاعب صغيرتي, و قبل أذان المغرب بقليل أصلى صلاة الظهر و العصر, يؤذن المؤذن لأتناول سمكا و جمبري و سلطة و أشرب من مذاب العصير المركز, لم أصلي المغرب و لا العشاء حتى الأن, أضع غلاية القهوة على البوتوجاز, و أحمل صغيرتي للخارج لشراء أربعة سجائر, تهلهل صغيرتي في الشارع , أعود لأشرب قهوة مع القطايف و تطفئ لي زوجتي شمعة , و تشاغب صغيرتي قليلا غير معنية بالأمر , تخرج زوجتي مع الصغيرة إلى بيت الجارة لتشرب الشاي بالنعناع, و ألوذ أنا إلى جهاز الحاسوب, تعودان بعد قليل لأعود إلى ملاعبة الصغيرة, أتركهما بعد قليل لألوذ إلى الجهاز مرة أخرى , و أبدأ بالكتابة

اليوم عادي جدا, لم يهديني أحد شيئا , حتى المكالمة التي توقعتها , كهدية, من المنظمة الدولية لشغل وظيفة في القدس لم تأتي. اليوم عادي جدا, ما زالت الحسرة تملأ قلبي و الحيرة تسلب عقلي , و ما زلت كما أنا عفويا, قلقا , متوترا, بليدا, طموحا, غبيا, فوضويا, فجا, أنانيا, مغرورا, حالما, محبطا, حادا, رخوا, غير مفهوما, مبهما, صلبا, هشا, واقعيا, طوباويا, مليئا بالمتناقضات

اليوم عادي جدا, غرفتي ما زالت غارقة في الفوضى , كتب و ورق على الأرض, وطاولة المكتب مفروشة بالكتب و الورق و الدفاتر و الأقلام , و الجرائد التي لا أتخلص منها بسهولة تملأ كل ركن من الغرفة بالرغم من الصندوق الضخم الذي أضع فيه الجرائد. بالغد سأخذ بعضا من هذه الجرائد لعاملة النظافة في مكان عملي لتضع عليها طعام الإفطار لأولادها

اليوم عادي جدا, لم يتغير شئ , فالأشجار التي تحيط بشقتي الواقعة في الدور الأرضي من العمارة لم أرويها منذ أكثر من شهرين

اليوم عادي جدا, و لكن لا أحد يعرف كم ستكون السنة عادية , فقد أختفي لينعونني عن 39 سنة , كما تنبأت العرافة الغجرية التي كانت تفترش أرض الشارع المزدهر بالرسامين و السواح في العاصمة التي فتحت أبواب قلاعها للريح القادمة من الغرب

اليوم عادي جدا, و ما علي في الساعة الأخيرة سوى أن أرتب غرفة المكتب , و أن أحضر الجرائد لعاملة النظافة

19‏/09‏/2007

غزة ... حرب















الصور لشريف سرحان


صبرا


صبرا – فتاة نائمة
رحل الرجال إلى الرحيل
و الحرب نامت ليلتين صغيرتين
و قدمت بيروت طاعتها و صارت عاصمة

ليل طويل
يرصد الأحلام في صبرا و صبرا –نائمة


صبرا بقايا الكف في جسد قتيل
ودعت فرسانها و زمانها
و استسلمت للنوم من تعب, و من عرب رموها خلفهم



صبرا- و ما ينسى الجنود الراحلون من الجليل
لا تشتري و تبيع إلا صمتها
من أجل ورد للضفيرة
صبرا-تغني نصفها المفقود بين البحر و الحرب الأخيرة
لم ترحلون
و تتركون نساءكم في بطن ليل من حديد ؟
لم ترحلون
و تعلقون مساءكم
فوق المخيم و النشيد؟

صبرا-تغطي صدرها العاري بأغنية الوداع
و تعد كفيها و تخطيء
حين لا تجد الذراع
كم مرة ستسافرون
وإلى متى ستسافرون
و لأي حلم؟
وإذا رجعتم ذات يوم
فلأي منفي ترجعون,
لأي منفي ترجعون ؟
صبرا –تمزق صدرها المكشوف
كم مرة
تتفتح الزهرة
كم مرة
ستسافر الثورة؟


صبرا-تخاف الليل . تسنده لركبتها
تغطيه بكحل عيونها. تبكي لتلهيه
رحلوا و ما قالوا
شيئا عن العودة
ذبلوا و ما مالوا
عن جمرة الوردة!
عادوا و ما عادوا
لبداية الرحلة
و العمر أولاد
هربوا من القبلة.

لا , ليس لي منفى
لأقول : لي وطن
الله, يازمن
صبرا –تنام . و خنجر الفاشي يصحو
صبرا تنادي .. من تنادي

كل هذا الليل لي, و الليل ملح
يقطع الفاشي ثدييها – يقل الليل

يرقص حول خنجره ويلعقه. يغني لإنتصار الأرز موالاَ
ويمحو
في هدوء .. في هدوء لحمها عن عظمها
و يمدد الأعضاء فوق الطاولة
و يواصل الفاشي رقصته و يضحك للعيون المائلة
و يجن في من فرح و صبرا لم تعد جسداَ

ركبها كما شاءت غرائزه, و تصنعها مشيئته
و يسرق خاتما من لحمها , و يعود من دمها إلى مرأته

ويكون –بحر
ويكون-بر
ويكون-غيم
ويكون-دم
ويكون-ليل
ويكون-قتل
ويكون-سبت
وتكون-صبرا

صبرا تقاطع شارعين على جسد
صبرا-نزول الروح في حجر
و صبرا- لا أحد


صبرا-هوية عصرنا حتى الأبد




13‏/09‏/2007

كل عام و أنتم بخير

في غزة إتفق الفريقان علي الصيام اليوم لكن فريق "دايتون" أعلن إنتهاء التوقيت الصيفي إبتداء من الأول من رمضان , أما فريق " القوة التنفيذية" فأعلن أن الساعات ستعود إلى الوراء في اليوم الثاني من رمضان . لقد نجا رمضان من المماحكات السياسية , لكن الساعة وقعت في الفخ

12‏/09‏/2007

عن العنف الثوري




أعذروني على إختيار هذه الصور التي لا أتذكر مصدرها , و ملتقطها الذي يبدومن الصور أنه غزي الهوى و الهوية



عن صراع الجهالات في الحادي عشر من سبتمبر


مثل الآخرين، لا أكثر، ولا أقل
بقلم
حسن خضر

في الذكرى السادسة لهجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية ثمة ما يبرر استدعاء أسئلة من نوع: ما هي مبررات العربي، أو المسلم، الأخلاقية لتأييد ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم؟ولا فائدة، بطبيعة الحال، من التظاهر بأن العرب، أو المسلمين، لم يؤيدوا تلك الهجمات. يمكن الكلام عن نسب مئوية، والقول إن أعدادا كبيرة من العرب والمسلمين لا تؤيد ما حدث. ومع ذلك، حتى لو كان مؤيدو ما حدث أقلية، فإن وجود أقلية كهذه يستدعي إعادة النظر في الأسس الأخلاقية لهوية المجتمعات العربية والإسلامية، التي تسمح بوجود هؤلاء، خاصة وقد تمكنوا في أماكن مختلفة من اختطاف الأغلبية، وفرض إرادتهم عليها.والواقع أن الكلام عن التأييد، أو عدمه، لا يستقيم دون محاولة تعريف ما حدث، في ذلك اليوم.هل كان شن هجمات انتحارية، بطائرات مدنية، عملا إرهابيا، أم كان محاولة يائسة من جانب أشخاص سدت أمامهم السبل، للدفاع عن قضية عادلة؟ وإذا كانت ثمة قضية من هذا النوع، فما هي بالضبط؟وإذا ما وصلنا إلى هذا الحد، سنجد أن السؤال يستدعي، ضمن أمور أخرى، ضرورة تعريف الإرهاب، وتحديد موقف منه. وبالتالي يكتسب السؤال دلالة إضافية: ما هو موقف العربي، أو المسلم، من الإرهاب، وهل دارت تساؤلات حول معنى ومبررات الإرهاب في أذهان منفذي الهجمات، أو في أذهان أنصارهم؟ثمة ما يبرر القول إن تساؤلات كهذه دارت بالفعل، وإن تسمية الإرهابيين لما حدث في الحادي عشر من أيلول بالغزوات (غزوة نيويورك ومنهاتن) تعفي الباحث من مشقة البحث. فالغزوات معارك جرت لنشر الإسلام، وتوطيد أركان الدعوة الإسلامية. وفي انتزاعها من سياقها الأوّل، وفرضها على أحداث تجري بعد ألف وأربعمائة عام، ما يدل على محاولة من جانبهم للانخراط في تاريخ مقدّس، وجسر الهوة الزمنية والدلالية بين الماضي والحاضر بطريقة بلاغية وشعائرية.ولا يهم، في الواقع، مدى ما يسم محاولة كهذه من سذاجة ومبالغة، وربما من كوميديا رفيعة سوداء. المهم أن التسمية تضفي القداسة على الإرهاب، وتمنحه مبررات أخلاقية مستمدة من السماء لا من الأرض. بمعنى أن فيها ما يتجاوز السياسة، وما يتعالى عليها، وما يسمو بالتأكيد على المدارك العقلية لبني البشر، مقابل حكمة إلهية يملك قادة وفقهاء الإرهابيين وحدهم حق التصرف بها وتفسيرها.وإذا كانت هذه هي السمة الأولى للأصوليات الدينية في أربعة أركان الأرض، بما فيها المسيحية، واليهودية، فمن سوء الحظ أن العرب، والمسلمين، لم يتقنوا بعد فن ترويض الوحش الأصولي، كما فعل الأوروبيون، بعد حروب دينية مهلكة، وكما يفعل الإسرائيليون في الوقت الحاضر خوفا من انهيار الدولة. نعرف، بالتأكيد، كيف ولكن لا نعرف متى وبأي قدر من الخسائر سيتمكن العرب والمسلمون من إلحاق الهزيمة بالوحش الأصولي. ولكن، بالعودة إلى السؤال الأصلي فلنقل إن قضية الإرهابيين، كما تجلت في هجمات الحادي عشر من أيلول، وفي هجمات لاحقة في لندن، ومدريد، ليست سياسية في حقيقة الأمر، بل هي أعلى من ذلك بكثير، أعلى من الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي، ومن الميراث الكولونيالي للغرب، ومن العلاقة غير المتوازنة بين الشمال والجنوب. إنها قضية الصراع بين مطلقات نهائية ومنجزة من نوع الكفر والإيمان، الخير والشر، العدل والظلم، الإسلام (في صيغته السنية الوهابية) وكل ما عداه.هذه المطلقات مخيفة، ليس لأنها تشكل أيديولوجيا معادية للبشرية وحسب، بل لأنها تتحوّل أيضا إلى مرجعيات ثقافية ولاهوتية وأخلاقية في عالم (العربي والإسلامي) لم يذوّت بعد قيم التعددية والتسامح، يعاني من مظالم تاريخية، ومن تسلّط أنظمة دكتاتورية، ومن أزمات اقتصادية وثقافية وتشوّهات اجتماعية. وهي خلطة عجيبة وقاتلة لا يشعر في ظلها، وبحكمها، عدد لا نعرف نسبته المئوية من العرب والمسلمين، بأهمية أو ضرورة إدانة الإرهاب، وتجريد ممارسيه من كل جدارة أخلاقية أو سياسية، بقطع النظر عن قومية، أو لون، أو دين الضحايا. وهي، أيضا، الخلطة العجيبة والقاتلة، التي تحوّل أعدادا لا نعرف نسبتها المئوية من الشبّان العرب والمسلمين إلى انتحاريين في عمليات جنونية، وحشية، عبثية، وجبانة. وإلا كيف نفسر العمليات الانتحارية هذه الأيام التي تستهدف المدنيين في الأماكن العامة في العراق، والجزائر، وأفغانستان، وباكستان. ماذا يريد هؤلاء، وما هي قضيتهم، إن لم تكن تدمير الدولة، وتفتيت المجتمع، باسم أيديولوجيا مريضة، وهمية ومتوّهمة. وهي قضية غير سياسية، أي تنتمي إلى علم النفس أكثر من انتمائها إلى عالم السياسة، في أغلب الأحوال.وهي، أيضا وأيضا، الخلطة العجيبة والقاتلة، التي تسمح بالكلام عن تحوّل القاعدة إلى حالة عامة، أي إلى مثال يحتذى، بفضل صحافي يتكلّم عن "الشيخ" أسامه بن لادن. (أما كيف ومتى ولماذا أصبح شيخا فلا يهم). وبفضل انتهازية المثقف القومي، أو اليساري السابق، الذي يتنصل من علمانية مدعاة، وديمقراطية فائضة عن الحاجة، لتقديم خدمات، ونصائح، نضالية لإرهابيين، بلا مشروع سوى الموت. وبفضل ميوعة جيوـ سياسية تجعل من مشيخة بحجم بعوضة ـ إذا حضرت لا تذكر، وإذا غابت لا تفتقد ـ قلعة من قلاع الممانعة التلفزيونية. وفي ظل هذه الخلطة العجيبة والقاتلة، وللترويح قليلا عن النفس، نستعيد كوميديا سوداء، صافية، رفيعة، تكاد تكون إغريقية، ولكن بلمسات ما بعد حداثية (أي أيسخيلوس وبيكيت في عرض لمرة واحدة، وبتذكرة واحدة) نستعيد مشهد الناطق باسم حماس، الذي هلل وكبّر، ليصف الاستيلاء على غزة بفتح مكة. المهم، حالات كهذه تنشأ فقط في مجتمعات مريضة، فتمثل اسما للمرض، وعرضا من أعراضه. لا شيء يبرر إضفاء صفة القضية العادلة، أو الدفاع المشروع عن النفس، على ما حدث في مثل هذا اليوم قبل ست سنوات. ولا شيء يبرر القبول بتحوّل أيديولوجيا القاعدة الإجرامية إلى حالة عامة، وإلى قدر لا فكاك منه. ربما يحتاج العرب والمسلمون إلى نصف قرن أو أكثر قبل ترويض الوحش الأصولي، واقتلاع أنيابه، وتقليم أظافره، في حرب لن يخوضها احد نيابة عنهم. وهي بالتأكيد مكلفة ومؤلمة، لكنها السبيل الوحيد إلى التحرير والحرية. تحرير الهوية من مرضها، وحرية العربي والمسلم في أن يكون كائنا طبيعيا مثل الآخرين لا أكثر و لا أقل



الإمبرياليّة ووهم الانقلاب التاريخيّ
هشام البستاني

في فندق فيرمونت في سان فرانسيكو، أواخر أيلول عام 1995، اجتمع خمسمئة من قادة العالم في مجالات السياسة والمال والاقتصاد بدعوة من المعهد الذي يترأسه ميخائيل غورباتشوف، والذي تبرّع بتكاليفه بعض الأثرياء الأميركيين (ربّما عرفاناً لخدماته في الاتحاد السوفياتي السابق). كان المطلوب من هذا الجمع «أن يبيّن معالم الطريق إلى القرن الحادي والعشرين، هذه الطريق التي ستفضي إلى حضارة جديدة».في هذا المؤتمر الذي لم يكن للتسامح مع ضياع الوقت فيه أي مكان (5 دقائق للمتحدث، ودقيقتان للمداخل)، كانت النتيجة التي اختزل بها هؤلاء البراغماتيون المستقبل كالتالي: العددان 20 و80، ومصطلح Tittytainment.بالنسبة إلى العددين، فهما يمثّلان حالة «العمل والبطالة» في المجتمع المستقبلي، حيث يعتقد المجتمعون أن نسبة «20% من السكان العاملين ستكفي في القرن القادم للحفاظ على نشاط الاقتصاد الدولي»، أما باقي الـ80% فهم سيواجهون «مشاكل عظيمة». ستكون المسألة بحسب أحد مدراء شركة «صن» (Sun) هي «إمّا أن تأكل أو أن تؤكل» (To Have Lunch Or To be Lunch).أما بالنسبة للـTittytainment، فهو مصطلح طرحه زبغنيو بريجنسكي الأشهر من أن يعرف، وهو منحوت من كلمتي Entertainment أي تسلية، وtits أي أثداء (إشارة إلى حليب المرضع). والـTittytainment هذه هي الخليط من «التسلية المخدرة والتغذية الكافية» التي بإمكانها «تهدئة خواطر سكان المعمورة المحبطين». وبإمكان المهتم مراجعة تفاصيل هذا المؤتمر الرهيب وأبعاده في الكتاب الهام «فخ العولمة: الأعتداء على الديموقراطية والرفاهية» (تأليف هانس بيتر ـــــ مارتن وهارالد شومان، ترجمة د. عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 238).ولكن ما علاقة كل ذلك بموضوعنا؟
حدث غير انقلابي

لعلّ أول الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الكاتب أو المحلل هو اعتبار 11 سبتمبر فاصلاً بين عهدين، أو علامة تاريخية فارقة أحدثت انقلاباً كلياً ما بعدها. والمقارن ما بين سبتمبر 1995 (مؤتمر فندق فيرمونت) وسبتمبر 2001 (هجمات نيويورك وواشنطن) وما تلاها، قد لا يجد اختلافاً بيّناً في نوعية السياسة الأميركية والرأسمالية الغربية عموماً، المسألة هي مسألة كمية وحسب.إن أميركا بصيغتها الحالية: الإمبراطورية ذات القوة الغاشمة والإيديولوجيا النيوليبرالية، كانت لا شك قادمة مع أو بدون 11 سبتمبر. ولو لم تحدث هجمات 11 سبتمبر، فأغلب الظن أننا كنا سنعيش الحقبة التي تلتها، ولكن متأخرين قليلاً.إنّ ما قد يرقى إلى مستوى التحول التاريخي هو النقطة التي انتصرت عندها المنظومة الرأسمالية على الاتحاد السوفياتي و«الكتلة الاشتراكية». وليس الانتصار بحد ذاته هو العلامة الفارقة، بل هو التحول المطّرد والمتسارع نحو التخلص من دولة الرفاه الاجتماعي و«كلفها» العالية. إن رأس المال - الباحث دائماً عن شروط تعظيم أرباحه - كان يجد عائداً استثمارياً وقائياً من دولة الرفاه ذات الضمان الاجتماعي الممتاز والتأمين الصحي الشامل، والإنفاق العام كان «شراً لا بد منه» للحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع انتقال أي عدوى من الشرق تتحدث عن عدالة اجتماعية ومساواة ومحو فوارق طبقية وتأمين احتياجات أساسية دون مقابل (مأكل، ملبس، مسكن، تعليم، صحة).في ظل غياب «قطب آخر»، وانحسار النشاط الاجتماعي/ السياسي لليسار الراديكالي في العالم، وغياب بديل أيديولوجي ثوري ذي حضور، أصبحت دولة «الرفاه الاجتماعي» كلفة باهظة لا مبرر لها (على الصعيد الداخلي)، وأصبح العالم ملعباً مفتوحاً بلا منافسين (على الصعيد الخارجي). هكذا كان على الإمبريالية أن تخلع قناعها «الديموقراطي» و«المتمدن»، وترمي بأسطورة «العالم الحر» بعيداً، وتتمدد داخلياً وخارجياً، وتملأ الفراغات التي تركها «القطب» السابق.على الإمبريالية في هذه المرحلة أن تفكر في ما ستفعله أثناء سيرها في هذه «الطريق التي ستفضي إلى حضارة جديدة»، وهو ما فعلته في مؤتمر فيرمونت الذي أجاب عن أسئلة التحول الجديد (أي نبذ «دولة الرفاه الاجتماعي» لانعدام جدواها وارتفاع كلفها الاقتصادية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي). إن هذه الحضارة «الجديدة» ليست جديدة بأي مقياس، بل هي استحضار لآليات ما قبل رأسمالية، إنها القوة الغاشمة دون رادع سوى الأرباح، وهذا لا يتناقض مع التطور التاريخي للرأسمالية في مرحلتها النيوليبرالية، فالامبرياليات لا تجد غضاضة في استعمال آليات لا ترقى إلى مستوى تطورها التاريخي ما دام ذلك يخدمها في السياق العام. وكما يلاحظ هادي العلوي «إن أنماط الإنتاج الأكثر تقدماً كانت قادرة دوماً على توظيف أنماط إنتاج منحلة لتنمية نفسها، ولكن هذا لا يشكل إعادة لنمط الإنتاج المذكور، وإنما يتم بتأثير هذه المنظومة الاستغلالية الجامعة» (شخصيات غير قلقة في الإسلام، ص 222).إن مجتمع الـ 80/20 المذكور سابقاً، هو مجتمع سيُسَيّر بخليط من القوة الغاشمة والـTittytainment، واستعراض الحرب الحديثة بتقنياتها المذهلة وجنودها العصريين ذوي التجهيزات الفضائية، وصور الأقمار الصناعية، وتسجيلات القنابل الذكية وهي تصيب بدقة الأهداف المعادية، كل هذا لا يخدم كأدوات ردع فعلية ونفسية لشعوب الأرض من المضطهدين المنضوين في نسبة الـ80% الآنفة الذكر فحسب، وإنما تُحول الحرب بهذه التقنيات من مأساة إنسانية صارخة، إلى «مشاهدة ممتعة»، أو فيلم هوليوودي، أو لعبة مسلية من ألعاب الفيديو.إنه السيف ذو الحدين: القتل والتسلية المخدرة، ولكنهما حدّان يقطعان الضحية ذاتها.استعراض القوة والتخدير هذان لم يبدآ قطعاً في 11 سبتمبر، ورجال مكافحة السموم بملابسهم الفضائية الذين طيّرت صورهم المحطات الأميركية إلى أرجاء الأرض الأربعة في سياق البحث عن «جمرةٍ خبيثة»، جاؤوا بعد صور الإصابات الدقيقة للمنشآت العراقية أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991. وقد لا يعلم الكثيرون في الوطن العربي أن شركة العلاقات العامة المعروفة عالمياً المسمّاة «هيل آند نولتون»، كانت هي العقل المدبّر لحملة تسويق حرب الخليج الثانية في الولايات المتحدة (من تقرير: قوة البروباغاندا العالمية، لشارون بيدير وريتشارد غوسدن، مجلة PR Watch 8 (2) 2001)، وهذه الشركة هي جزء من تجمع «دبليو. بي. بي» (WPP) العملاق للعلاقات العامة والدعاية والإعلان، وهو تجمع يرأسه مارتن سوريل، وشغل حوالى 55 ألف شخص في 92 بلداً، وله 1300 مكتب، وحقق عوائد بلغت 5,2 مليارات دولار عام 1999.إن التقرير المذكور سابقاً يقول عن شركة (WPP) إنها «مستودع كامن للقوة، آلة بروباغاندا عملاقة، وتملك من المهارات المنسقة في مجال التلاعب بالناس ما يسمح لها بالسيطرة على عقول وقلوب كل سكان العالم». وهي، إضافة إلى منافستها «أومنيكوم» (Omnicom)، تسيطران على سوق الإعلان والدعاية والعلاقات العامة في العالم لصالح الشركات العملاقة، والحكومات في بعض الأحيان. ومنذ أوائل الثمانينيات، صرح أحد مدراء شركة جي والتر ثومبسون (J.Walter Thompson) وهي شركة إعلانات اشترتها (WPP) عام 1987 بما يلي: «إن في أيدينا أعظم أداة شاملة للتعليم الجماعي والإقناع شهدها العالم، إنها قنوات الاتصال الإعلانية، نحن نملك القوة، فلم لا نستعملها؟»، إن نبوءة هذا الشخص تجد صداها في الآلية التي اقترحها بريجنسكي في مؤتمر فيرمونت، وتطبيقها في الحقبة المتوحشة للإمبريالية الأميركية بعد انقلاب «نهاية دولة الرفاه»، أواخر ثمانينيات القرن الماضي.هذا أحد جوانب المسألة. أمّا الجانب الآخر فهو أن صقور الحرب في الإدارة الأميركية ذوي النزعات اليمينية المتطرفة لم يولدوا في الفراغ، ولم يهبطوا بمركبات فضائية قادمين من مستودع للراديكاليين الأميركيين على المريخ مخصص لحالات الطوارئ.لقد كانوا في صلب المؤسسات الأميركية منذ أمد طويل، وخصوصاً تلك المعنية بإحداث تغييرات خارجية، مثل مؤسسة بيت الحرية (Freedom House)، التي تعرّف نفسها بأنها منظمة غير حكومية، تأسست عام 1941على يد النيور روزفلت (زوجة الرئيس الأميركي المعروف) وويندل ويلكي (منافس زوجها الخاسر في الانتخابات)، وتعنى بخلق التغيرات الديموقراطية في العالم عبر إنشاء شبكات مرتبطة بها في المناطق المستهدفة، وهي كذلك تعمل من أجل «سياسة أميركية خارجية متدخّلة» (Engaged)، ومن أجل إدخال «إصلاحات السوق الحرة»!إذا فككنا شيفرة الجمل المذكورة أعلاه، والمستقاة من النشرات التعريفية بـFreedom House، نكتشف أن المسألة برمّتها هي مسألة «تدخل» من أجل المصلحة الإمبريالية. وربما لن نستغرب كثيراً إذا علمنا أنها استهدفت بشكل رئيسي منطقة وسط وشرق أوروبا، وكان لها دور كبير في إحداث الزلزال هناك، حيث موّلت ولا تزال عشرات المنظمات غير الحكومية في تلك البقعة من العالم.إن هذه المؤسسة الهامة ذات النزعة «الديموقراطية» (المفترضة طبعاً)، تحوي في هيئة أمنائها أشخاصاً غير ديموقراطيين تماماً: دونالد رامسفيلد، بول وولفوتز، ومنظرهم الأول صامويل هانتنغتون! لقد كان هؤلاء، إضافة إلى ما يمكن أن نصنفه الآن من «المعتدلين» كبريجنسكي، طرفاً فاعلاً في البنية الاستراتيجية الأميركية قبل أن يكونوا في صف صنع القرار الاول، وصعدوا إلى مواقع القيادة والتأثير عندما أصبح الظرف الموضوعي يستدعي وجودهم، والظرف الموضوعي هذا هو 11 سبتمبر. بهذه الصورة، تمهد «الإمبراطورية» لنفسها على المدى الاستراتيجي.وإن كان انفراد قوة عظمى بالعالم مشكلة حقيقية، فإن هذه المشكلة تتحول إلى كابوس مرعب إذا كانت هذه القوة إمبريالية بأيديولوجيا نيوليبرالية، ولا تلتفت إلى شيء سوى الأرباح والأسواق والنفط، ويصنع قرارها مديرو الشركات العملاقة بعد أن تحولوا سياسيين
سياسيون وشركات
تثبت لنا الحقائق حجم تمثيل مدراء الشركات الكبرى في الإدارة الأميركية الحالية (بعضهم ترك موقعه). فالرئيس دبليو بوش هو المدير السابق لشركة «هاركين» للنفط؛ نائب الرئيس ديك تشيني هو الرئيس السابق لشركة «هاليبيرتون» للنفط؛ وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد هو المدير السابق لشركتي «جنرال أنسترومنتس» الصناعية و«سيرل» الصيدلانية؛ وزير الدفاع الحالي روبرت غيتس كان عضو مجلس أمناء شركة «فيديلتي» للاستثمارات، وعضو مجالس إدارات الشركات التالية: NACCO الصناعية، شركة برنكر الدولية، شركة باركر للتنقيبات، شركة التطبيقات العلمية الدولية؛ وزير الخزانة السابق بول أونيل هو المدير السابق لشركة «الكوا»؛ وزير الخزانة الذي تلاه جون سنو هو رئيس سابق لشركة CSX؛ وزير التجارة السابق دون إيفانز هو المدير السابق لشركة «توم براون» للنفط؛ وزير الخزينة الحالي هنري بالسون هو رئيس سابق لـ«غولدمان ساكس»، رئيس موظفي البيت الأبيض السابق أندرو كارد هو الرئيس السابق لجمعية مصنعي المركبات الأميركيين؛ وزير الجيش السابق توماس وايت هو مدير سابق في شركة «أنرون» للطاقة؛ وزير الجيش الذي تلاه فرانسيس هارفي هو رئيس سابق لمجموعة IT المتخصصة بالتعهدات الدفاعية؛ وزير القوات الجوية السابق جايمس روش هو مدير سابق في شركة «نورثروب غرومان»؛ غوردون أنغلند وزير البحرية السابق ونائب وزير الدفاع الحالي هو رئيس سابق لشركتي جنرال داينامكس ولوكهيد، أما وزير البحرية الحالي دونالد ونتر فهو مدير كبير سابق في شركة «نورثروب غرومان»!كل هؤلاء من أقطاب الشركات، ومنهم عدد لا بأس به من المديرين السابقين لشركات النفط والطاقة، وذوي علاقة عضوية بالمجمع الصناعي - الحربي الأميركي، إلى الدرجة التي دعت شركة «شيفرون» للنفط لإطلاق إسم «كوندوليزا رايس» على إحدى ناقلاتها النفطية!ولتأكيد ما ذهبنا إليه في ما سبق، سأستدعي أجزاءً من مقال لجيمس بتراس، أستاذ علم الاجتماع السابق في جامعة بنغهامبتون في نيويورك، نشر بتاريخ 4/11/2001 تحت اسم: «11 سبتمبر، ما وراء المأساة الإنسانية».يكشف بتراس في هذا المقال حقائق فظيعة يخلص منها الى فرضيات لا تقل فظاعة، وهي في واقع الأمر نتائج مبنية على أدلة ملموسة. فمثلاً، يقول بتراس: «إن انفجار مشاعر الحرب في واشنطن [يقصد الإدارة الأميركية] ربما كانت له علاقة بنوعية الضحايا ومقدار تأثيرهم على الأسواق المالية العالمية، لا بعدد هؤلاء الضحايا، حيث إن الكثير منهم كانوا من المحللين وراسمي السياسات المالية والمضاربين»!ويعتمد بتراس الرقم الذي أورده الصليب الأحمر الأميركي لعدد الضحايا (وهو 2563 شخصاً)، مشيرا الى أن 40% منهم من جنسيات أجنبية، أي إن عدد الضحايا الأميركيين الفعلي هو حوالى 1500. ويعزو بتراس الرقم المبالغ فيه الذي روّجه مسؤولو مدينة نيويورك (4964 ضحية) لرغبتهم في الحصول على المزيد من المعونات الفدرالية «لإعادة بناء القطاع التجاري في نيويورك» لا لجهود الإغاثة! مذكراً بإضراب رجال الإطفاء بعد شهرين من الهجوم نتيجة لخفض الميزانيات المخصصة لهم للإنقاذ.ويرى بتراس أن الإدارة والإعلام الأميركيين «تلاعبا بالمأساة الإنسانية التي تعرض لها مواطنو نيويورك لإزاحة التركيز عن البعد الاقتصادي والعسكري للصراع… وعندما أصبح الضحايا غير مجديين كبروباغاندا لصالح الحرب، تم التخلص منهم ليتحولوا إلى طوابير خارج مكاتب البطالة... فخلال شهر تشرين الأول 2001، فقد أربعمئة وخمسون ألف عامل وظائفهم في الولايات المتحدة، وهو أعلى رقم لفصل موظفين في شهر واحد في التاريخ الحديث».كما يذكر المقال، نقلاً عن الغارديان البريطانية (عدد 2 نوفمبر 2001) أن مركز التجارة العالمي «كان يحتوي في طوابقه السفلية على مقر للـCIA وأجهزة سرية أخرى، أي إن الـCIA استغلت الغطاء المدني الذي يوفره مركز التجارة لإخفاء مركز تنفيذي ولوجستي تحت الأرض، مما عرض حياة المدنيين الذين يعملون في الطوابق العلوية للخطر دون أدنى حس بالمسؤولية».ويشير المقال إلى «الحالات العديدة للاحتيال والاستغلال التجاري [مثل] مطالبات التأمين المبالغ فيها، بيع التذكارات، واختفاء ملايين الدولارات من المساعدات المالية التي كان من المفترض أن تذهب لعائلات الضحايا».إذاً، الأرباح، الحسابات، المضاربات، كلها حاضرة، وهذا ليس بغريب على رأسمالية بحجم الولايات المتحدة، أما أن تكون حاضرة في وسط المأساة التي تخص مواطني المركز الإمبريالي نفسه، فهذا هو التطور النوعي في الآليات الهمجية التي ستنعكس بصورة أشد خارجياً. ولا شك في أننا سنتذكر، عندما نعيد قراءة الرقم الهائل لأعداد الموظفين الذين فقدوا أعمالهم، عبارة جون غايج (John Gage) أحد كبار مديري شركة الكمبيوتر الأميركية «صن مايكروسيستمز» التي أجاب بها عن سؤال في مؤتمر فيرمونت: «لديّ من العاملين 16 ألفاً، وإذا ما استثنينا قلة ضئيلة منهم، فإن جل هؤلاء احتياطي يمكن الاستغناء عنه عند إعادة التنظيم إعادة التنظيم
يوم 11 سبتمبر، حانت ساعة إعادة التنظيم الكبيرة على المستويين الداخلي والخارجي. داخلياً: فصل العمال من وظائفهم، ودخلت قوانين وإجراءات قمعية جديدة حيز التنفيذ، ودخل الاقتصاد المنهار دورة جديدة لمصلحة شركات النفط والسلاح. أما خارجياً، فقد رأت أميركا أن الوضع بات مناسباً لحسم سيادتها على العالم نهائياً، وخصوصاً في وجه مراكز أمبريالية صاعدة ومنافسة كاليابان وأوروبا. هذا الحسم لن يأتي إلا بالسيطرة على النفط سيطرة تامة بدأت بحرب الخليج الثانية، وتستمر الآن بزخم متسارع جداً منذ 11 سبتمبر بالسيطرة على نفط حوض قزوين، والاحتلال الذي يزكم الأنف برائحة النفط في العراق، والجاثم الى جوار احتياطات أخرى كبيرة في الكويت والسعودية وإيران.كما أكملت أميركا حلقتها النارية الضاربة حول العالم، فهي، إضافة إلى أساطيلها البحرية المتنقلة، تملك قواعد في أوروبا، الجزيرة العربية، وسط آسيا، كوريا، واليابان، معطية لنفسها قوة النار والمرونة الكافيتين لضرب أي دولة «مارقة» أو تنظيم «إرهابي».حتى منظّرا الحقبة الاميركية الحالية، صامويل هانتنغتون وفرانسيس فوكوياما، رغم اختلافهما المنهجي، يتفقان مع ما عرضناه سابقاً من أن 11 سبتمبر هو حدث في التاريخ لا انقلاب فيه. فهانتنغتون - مستبطناً صراع الحضارات الخاص به طبعاً - يرى أن ما يمكن أن يشار إليه كعلامة تاريخية هو «عصر الحروب الإسلامية» التي «بدأت عندما كانت الحرب الباردة تنتهي في الثمانينيات من القرن الماضي» (راجع مقالة: «عصر الحروب الإسلامية» في مجلة نيوزويك، عدد دافوس الخاص، ديسمبر 2001 - فبراير 2002).أما فوكوياما فيتساءل عن 11 سبتمبر: «ما الذي يحصل هنا؟ هل سنشهد بداية لعقود طويلة من «صدام الحضارات» واضعة الغرب في مواجهة الإسلام؟... منذ ما يزيد على عشر سنوات، قلت إننا وصلنا نهاية التاريخ... هذه النظرية تظل صحيحة، أن هجمات 11 سبتمبر تمثل [فقط] حركة ارتجاعية عنيفة يائسة ضد العالم الحديث». (انظر مقالته: «هدفهم: العالم الحديث» في عدد نيوزويك السابق الذكر).هكذا إذاً، يتفق المنظران الرئيسيان لحقبة النيوليبرالية المتوحشة على أن نقطة الارتكاز التاريخية هي نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، أما 11 سبتمبر فهي «حركة ارتجاعية يائسة» كما يراها فوكويوما، أو، برأي هانتغتون، فإن «الحرب الجديدة، كما يسمي مسؤولو الإدارة العنف الذي بدأ في 11 سبتمبر، ليست جديدة على الإطلاق. إنّه استكمال وتصعيد لأنماط سابقة من العنف تورّط فيها المسلمون»، أي الأميركيون، إذا فككنا شيفرة هانتنغتون السحرية!وهكذا، لنحلل بصورة أكثر صواباً، ولنضع 11 سبتمبر في سياق صحيح، نعيد قراءة جمل فوكوياما وهانتغتون الأخيرة كما يلي: إن هجمات 11 سبتمبر تمثل حركة ارتجاعية عنيفة يائسة ضد الهيمنة الإمبريالية المتوحشة المتمثلة بالولايات المتحدة. و«الحرب الجديدة» أو الحرب على «الإرهاب»، ليست جديدة على الإطلاق، بل هي استكمال وتصعيد لأنماط سابقة من العنف تورط فيها الأميركيون في سياق الهيمنة الامبريالية على العالم، وخدمت أحداث 11 سبتمبر كذريعة لها.الحرب على «الإرهاب» هي حرب نفط وأرباح وهيمنة بامتياز، لا حرب ديانات ولا صراع حضارات، وهي حرب بدأت فعلياً منذ بدايات انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود الرأسمالية النيوليبرالية أوائل الثمانينيات، حين تراجع المفهوم الكينزي في الاقتصاد لمصلحة إطلاق الحرية الكاملة للسوق، كما نظر لها فريدرش فون هايك وطبقها رونالد ريغان في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في بريطانيا. أما 11 سبتمبر 2001 فهو الدليل الساطع على كفاءة الامبرياليات في استخدام الأحداث، والخداع، ونثر النظريات المضللة لأسس الصراع بما يوافق هوى المتلقي، فتتحول مقاومة الامبريالية من فعل تراكمي إيجابي الى دوران في المكان بقصد البقاء لا أكثر، وهو أمر ينجح في إبقائنا أحياءً، ولكنه غير قادر على تحريكنا إلى الأمام على طريق النصر على الهيمنة والاستغلال