10‏/03‏/2008

قد يكون كلاما لمحمود درويش

صمت من أجل غزة

محمود درویش

تحيط خاصرتها بالألغام .. وتنفجر .. لا هو موت .. ولا هو انتحارانه أسلوب غـزة فی إعلان جدارتها بالحیاةمنذ أربع سنوات ولحم غـزة یتطایر شظایا قذائفلا هو سحر ولا هو أعجوبة، انه سلاح غـزة فی الدفاع عن بقائها وفی استنزاف العدوومنذ أربع سنوات والعدو مبتهج بأحلامه.. مفتون بمغازلة الزمن .. إلا فی غـزةلأن غـزة بعیدة عن أقاربها ولصیقة بالأعداء .. لأن غـزة جزیرة کلما انفجرت، وهی لا تکف عن الإنفجارخدشت وجه العدو وکسرت أحلامه وصدته عن الرضا بالزمنلأن الزمن فی غـزة شيء آخرلأن الزمن فی غـزة لیس عنصراً محایداًانه لا یدفع الناس إلى برودة التأمل . ولکنه یدفعهم إلى الإنفجار والارتطام بالحقیقة.الزمن هناک لا یأخذ الأطفال من الطفولة إلى الشیخوخة ولکنه یجعلهم رجالاً فی أول لقاء مع العدو
لیس الزمن فی غـزة استرخاء ولکنه اقتحام الظهیرة المشتعلة
لأن القیم فی غـزة تختلف .. تختلف .. تختلف
القیمة الوحیدة للانسان المحتل هی مدى مقاومته للإحتلال... هذه هی المنافسة الوحیدة هناک
وغـزة أدمنت معرفة هذه القیمة النبیلة القاسیة .. لم تتعلمها من الکتب ولا من الدورات الدراسیة العاجلة
ولا من أبواق الدعایة العالیة الصوت ولا من الأناشید. لقد تعلمتها بالتجربة وحدها وبالعمل الذی لا یکون
إلا من أجل الاعلان والصورة
ان غـزة لا تباهى بأسلحتها وثوریتها ومیزانیتها. انها تقدم لحمها المر وتتصرف بإرادتها وتسکب دمها
وغزة لا تتقن الخطابة .. لیس لغزة حنجرة ..مسام جلدها هی التی تتکلم عرقاً ودماً وحرائق
من هنا یکرهها العدو حتى القتل . ویخافها حتى الجریمة . ویسعى إلى إغراقها فی البحر او فی الصحراء او فی الدم
من هنا یحبها أقاربها وأصدقاؤها على استحیاء یصل إلى الغیرة والخوف أحیاناً . لأن غزة هی الدرس الوحشي والنموذج المشرق للاعداء والاصدقاء على السواء
لیست غزة أجمل المدن
لیس شاطئها أشد زرقة من شؤاطئ المدن العربیة
ولیس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبیض .
ولیست غزة أغنى المدن
ولیست أرقى المدن ولیست أکبر المدن . ولکنها تعادل تاریخ أمة. لأنها أشد قبحاً فی عیون الأعداء، وفقراً وبؤساً وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعکیر مزاج العدو وراحته، لأنها کابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشیوخ بلا شیخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها کذلک فهی أجملنا وأصفانا وأغنانا وأکثرنا جدارة بالحب
نظلمها حین نبحث عن أشعارها فلا نشوهن جمال غزة، أجمل ما فیها انها خالیة من الشعر، فی وقت حاولنا أن ننتصر فیه على العدو بالقصائد فصدقنا أنفسنا وابتهجنا حین رأینا العدو یترکنا نغنی .. وترکناه ینتصر ثم جفننا القصائد عن شفاهنا، فرأینا العدو وقد أتم بناء المدن والحصون والشوارع
ونظلم غزة حین نحولها إلى أسطورة لأننا سنکرهها حین نکتشف أنها لیست أکثر من مدینة فقیرة صغیرة تقاوم
وحین نتساءل: ما الذي جعلها أسطورة
سنحطم کل مرایانا ونبکي لو کانت فینا کرامة أو نلعنها لو رفضنا أن نثور على أنفسنا
ونظلم غزة لو مجدناها لأن الافتتان بها سیأخذنا إلى حد الانتظار، وغزة لا تجیء الینا غزة لا تحررنا لیست لغزة خیول ولا طائرات ولا عصى سحریة ولا مکاتب فی العواصم، ان غزة تحرر نفسها من صفاتنا ولغتنا ومن غزاتها فی وقت واحد وحین نلتقی بها – ذات حلم – ربما لن تعرفنا، لأن غزة من موالید النار ونحن من موالید الانتظار والبکاء على الدیار
صحیح ان لغزة ظروفاً خاصة وتقالید ثوریة خاصة
ولکن سرها لیس لغزا: مقاومتها شعبیة متلاحمة تعرف ماذا ترید (ترید طرد العدو من ثیابها )
وعلاقة المقاومة فیها بالجماهیر هی علاقة الجلد بالعظم. ولیست علاقة المدرس بالطلبة
لم تتحول المقاومة فی غزة إلى وظیفة و لم تتحول المقاومة فی غزة إلى مؤسسة
لم تقبل وصایة أحد ولم تعلق مصیرها على توقیع أحد أو بصمة أحد
ولا یهمها کثیراً أن نعرف اسمها وصورتها وفصاحتها لم تصدق أنها مادة أعلامیة، لم تتأهب لعدسات التصویر ولم تضع معجون الابتسام على وجهه
لا هی ترید .. ولا نحن نرید
من هنا تکون غزة تجارة خاسرة للسماسرة ومن هنا تکون کنزاً معنویاً واخلاقیاً لا یقدر لکل العرب
ومن جمال غزة أن أصواتنا لا تصل إلیها لا شيء یشغلها، لا شیئ یدیر قبضتها عن وجه العدو، لأشکال الحکم فی الدولة الفلسطینیة التی سننشئها على الجانب الشرقی من القمر، أو على الجانب الغربی من المریخ حین یتم اکتشافه، انها منکبة على الرفض .. الجوع والرفض والعطش والرفض التشرد والرفض التعذیب والرفض الحصار والرفض والموت والرفض
قد ینتصر الأعداء على غزة (وقد ینتصر البحر الهائج على جزیرة قد یقطعون کل أشجارها )
قد یکسرون عظامها
قد یزرعون الدبابات فی أحشاء اطفالها ونسائها وقد یرمونها فی البحر أوالرمل أو الدم ولکنها
لن تکرر الأکاذیب ولن تقول للغزاة: نعم
وستستمر فی الانفجار
لا هو موت ولا هو انتحار ولکنه أسلوب غزة فی اعلان جدارتها بالحیاة

فاصلة:
وستستمر فی الانفجار
لا هو موت ولا هو انتحار ولکنه أسلوب غزة فی اعلان جدارتها بالحیاة

01‏/01‏/2008

يحدث الأن في غزة


اليوم , قتلوا سته في غزة

هكذا يودعون عاما , حققوا فيه إنتصارا على كل شيء

لا أحد يعرف حقيقة ما يجري في غزة

كل شئ مشوه و ملوث هنا , في هذا المكان الذي قدر لنا أن نولد فيه

إسرائيل ليست مسؤلة تماما عن كل ما يجري هنا

حماس ليست مسؤلة تماما عن كل ما يجري هنا

فتح ليست مسؤلة تماما عن كل ما يجري هنا

ما يجري هنا ليس فقط الحصار الإسرائيلي, و لا دموية حماس و فسادها, و لا خيبة فتح و فسادها , و لا عجز الأخرين , و لاغلاء الأسعار, و غياب السلع, و ليست فقط الكارثة الإنسانية التي تحذر منها وكالات الأنباء و منظمات الإغاثة ؛ ليست البشاعة التي تسير بها الحياة هنا , و لا المجتمع الذي يتفكك , و لا القيم التي تغيب, و لا الأمل الذي نبحث عنه فلا نجده, و لا الصومال التي تزحف نحونا ؛ ما يحدث الأن في غزة شيء لا يمكن وصفه و لا تخيله ؛ و ما علينا إلا أن نتحلى بدرجة عالية من البلادة , و أن نبحث عن أي شيء جميل يمنحنا مبررا للحياة

28‏/12‏/2007

عسل

"يوم كانت كلـماتي/ تربة.../ كنت صديقا للسنابل/يوم كانت كلـماتي/ غضبا.../ كنت صديقا للسلاسل/يوم كانت كلـماتي/ حجرا.../ كنت صديقا للجداول/يوم كانت كلـماتي/ ثورة.../ كنت صديقا للزلازليوم كانت كلـماتي/ حنظلا..../ كنت صديق الـمتفائل/حين صارت كلـماتي/ عسلا..../ غطى الذباب/ شفتي!.." كلام قديم لمحمود درويش

16‏/11‏/2007

كل شيء مباح و ممكن

1
سجن غوانتانامو فضيحة أخلاقية وسياسية للإدارة الأميركية، ووصمة عار في جبين النظام القضائي، والعدالة في الولايات المتحدة. هذا صحيح. وصحيح، ثانياً، أن من حق المعتقلين فيه الحصول على محاكمة عادلة. وصحيح، ثالثاً، أن التحقق من إدانة أو براءة هذا الشخص أو ذاك لا يتأتى دون محاكمة. وصحيح، رابعاً، أن سوء الحظ ربما أوقع البعض في قبضة الأميركيين بعد احتلال أفغانستان، وساقه إلى هذا السجن الرهيب


ولكن الصحيح، أيضاً، أن عدداً من القابعين هناك من أعضاء، أو أنصار، القاعدة وطالبان. وأن هؤلاء وإن كانوا يستحقون محاكمة عادلة، إلا أن اعتبارهم مقاتلين في سبيل الحرية يعتبر إهانة للذكاء البشري، وتزييفاً للحقيقة. فهم إرهابيون لا يستحقون الشفقة أو التعاطف

وليس صحيحاً أن الإرهابي في نظر شعب ما هو المقاتل في سبيل الحرية لدى شعب آخر، إذا كان المقصود عصابة تقسّم البشرية إلى مؤمنين وكفّار، وتقترف أعمال قتل وحشية ضد المدنيين في بلاد العرب والعجم، وتتبنى أيديولوجيا تكفيرية تهدد الدول والمجتمعات على حد سواء
2


مع هذه الخلفية في الذهن، يمكن الكلام عن مصوّر "الجزيرة" المعتقل في غونتانامو، الذي أصبح بنداً ثابتاً على شاشة الفضائية القطرية. تُنظّم باسمه مظاهرات في مناطق مختلفة من العالم العربي، يخرج فيها محترفو مظاهرات واعتصامات، وباحثون عن ربع دقيقة من الوقت الثمين على الهواء
ويُستضاف باسمه أشخاص للكلام عمّن رآه، أو سمع عنه، أو منه، ومتى أكل، أو نام وقام. وبين الفينة والأخرى "يتنادى" حقوقيون ونشطاء في منظمات حقوق الإنسان لتنظيم حملات تطالب بالإفراج عنه. بينما ينهمك مخرجو المحطة في استغلال أفضل ما في "الفوتوشوب" من تقنيات لتركيب مشاهد بصرية درامية تجمع بين حمامة، أكثر أناقة من حمامة بيكاسو، ووجه السجين الذي أصبح أكثر شهرة من بعض رؤساء الدول
من حق كل مؤسسة، بصرف النظر عن بضاعتها، الدفاع عن موظفيها بطبيعة الحال. لكن التعامل مع قضية ثانوية وتحويلها إلى خبر عاجل يواظب على الدوام على مدار الساعة ينم عن ميل إلى المبالغة والابتزاز، أكثر مما يوحي بالتزامات مهنية وأخلاقية. ربما كان الشخص المذكور بريئاً، لكن تبرير وجوده في السجن برفض التعامل مع الأميركيين ضد المحطة يمثل استخفافاً بعقول البشر، من ناحية، وتحويلاً للمسألة برمتها من سوء حظ إلى ثبات على مبدأ، لا نعرف ما هو بالضبط، لكنه يكفل لصاحبه تسمية سجين من سجناء الحرية، من ناحية ثانية


3


وهكذا يتحرّك الحقل الدلالي خطوة إضافية، بدلاً من سوء الحظ، إلى ثبات على مبدأ. ولكن ماذا لو كانت لدى المذكور علاقات فعلية بالقاعدة وطالبان، تبرر اعتقاله، وتبرر الارتياب في كل محاولة للتضامن معه أو الدفاع عنه؟صحيح أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولكن تجربة سابقة توحي بأن الإدانة نفسها مرشحة للطعن إذا جاءت مخالفة لموقف المحطة وأصحابها من الحقيقة. ففي وقت سابق أدانت محكمة إسبانية مراسلاً للمحطة بتهمة التعاون مع القاعدة وطالبان، لكن "الجزيرة" طعنت في الحكم بدعوى أن القضاء الغربي متحيّز ضد العرب والمسلمين. وبالتالي تحوّل المُدان إلى شهيد حي، لمجرد أن الغرب يكره المسلمين، وأن الأميركيين لا يحبّون المحطة.وإذا وضعنا التهييج الأيديولوجي الرخيص عن الغرب والأميركيين جانباً، فليس ثمة ما يبرر تصديق "الجزيرة" وتكذيب الإسبان، أو اعتبار مؤهلاتها الأخلاقية أكثر جدارة من مؤهلات القضاء الإسباني. وبالتالي، ليس ثمة ما يبرر اعتبار المعتقل في غوانتانامو بريئاً لمجرد أن أصحاب الشغل قرروا ذلك
بيد أن موقف "الجزيرة" وأصحابها من الحقيقة يستحق معالجة أبعد من تحويل قضية لسجين في غوانتانامو، أو إسبانيا، إلى موضوع للابتزاز الأخلاقي، والأيديولوجي، والمزايدة السياسية، فهؤلاء في نهاية الأمر مجرد أسماك صغيرة في لعبة أكبر وأكثر تعقيداً، تستهدف بفضلها دولة، يقل حجمها بالمعنى الديمغرافي عن مدينة رفح، اللعب مع الكبار، والتصرّف على طريقتهم
وإذا وضعنا الآمال الكبيرة التي تتعب في مرادها الأجسام، وما تنطوي عليه الدونكشوتية القطرية من دلالات كاريكاتورية جانباً، ووضعنا نظريات المؤامرة، وخدمة الأميركيين، جانباً، ووضعنا علاقة المحطة بالقاعدة وجماعات الإخوان المسلمين، أيضاً، جانباً (دون التقليل من ضرورة تأمل هذه الأشياء في سياقات أخرى)، واكتفينا باستخدام حكاية الأسماك الصغيرة كوسيلة إيضاح، تكون هذه المقالة قد حققت الغرض، ونكون قد وصلنا إلى لبّ الموضوع

4


ولبّ الموضوع أن في علاقة الفضائية القطرية بالحقيقة ما يعيد التذكير بعالم أورويل، حيث تتحوّل استراتيجيات التسمية إلى ممارسة للكذب بتقنيات رفيعة. فباسم حرية التعبير، يتم بألف طريقة وطريقة (تتراوح بين مقابلة، وصورة، وصياغة، وتعليق، وتكرار) تقسيم العالم إلى مسلمين، وغير مسلمين، وتقسيم المسلمين إلى مجاهدين وقاعدين، وتقسيم العرب إلى ممانعين وخانعين. ورغم ما في تقسيماتٍ كهذه من فجاجة، وإثارة للغرائز، فإن التعامل معها كممارسة لحرية التعبير يتحقق بشرطين، إذا غاب أحدها، أو كلاهما، تصبح الممارسة شيئاً آخر غير حرية التعبير

أوّل الشروط انسجام التقسيم بالمعنى الأيديولوجي والسياسي مع أيديولوجيا وسياسة الجهة التي تموّل المحطة، وتتبناها، أو حتى مع مواقف جهات تقوم بالدعاية لها، وتعويمها بالمعنى السياسي والإعلامي. وثانيهما، المصداقية بالمعنى الأخلاقي، والسياسي
فلو كانت المحطة إيرانية، مثلاً، لما كان في الأمر ما يثير التساؤل، بحكم أن إيران دولة راديكالية، ذات طموحات إمبراطورية، لديها الكثير من الأعداء في المنطقة والعالم، وهي مستعدة للمجازفة، والدفاع عن نفسها بالسلاح إذا اقتضت الحاجة. وفي سياق كهذا يصبح توظيف الإعلام نوعاً من تحصيل الحاصل
ولكن ما أدراك إذا كانت المحطة قطرية، تبث من مكان لا يبعد كثيراً عن قاعدة أميركية أديرت منها الحرب على العراق، وتمارس، من بين مهام أخرى، حماية النظام في قطر
وما أدراك إذا كانت قطر تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل، ويستأذن حاكمها من الإسرائيليين للسماح لطائرته بالوصول إلى بيروت، بعيد الحرب الأخيرة على لبنان، ليرفع شارة النصر في الضاحية الجنوبيةوما أدراك عندما تتصدّر أخبار اعتقال ومحاكمات الإخوان المسلمين في مصر نشرة الأخبار، بينما لا تحظى أخبار التنكيل بهم في سوريا، التي تعاقب على الانتماء إلى الجماعة بالإعدام، باهتمام يُذكر وما أدراك إذا كان في وسع المحطة العثور على أصولي "يختفي في مكان ما من موريتانيا" للتعقيب على الانتخابات في ذلك البلد يوم وقوعها، باعتبار أن كلامه عن التناقض بين الديمقراطية والإسلام يمثل حدثاً إعلامياً يصعب التغاضي عنه، بينما لا تستأثر زيارة شيمون بيريز للدوحة بأكثر من خبر في شريط الأنباء، لا في النشرة الرئيسة.ثمة أمثلة إضافية كثيرة، خاصة طريقة تعويم القاعدة في العراق والجزائر والصومال وباكستان، وتنظيمات الإخوان في أماكن أخرى. ومع ذلك، تكفي الأمثلة السابقة للتدليل على حقيقة أن ثمة الكثير من التناقض بين الرسالة السياسية والأيديولوجية للمحطة، وبين مواقف أصحابها، وأن ثمة الكثير من التناقض بين المكوّنات الأيديولوجية والسياسية للرسالة نفسها


5


ولكن الكلام عن تناقض كهذا للتدليل على وجود رائحة عفنة في مكان ما لا يحل المشكلة. فالتناقض، أي تبني الموقف ونقيضه، والجمع بين مواقف متناقضة بالمعنى السياسي والأيديولوجي، واعتناقها بالقدر نفسه من الحماسة، مسألة عضوية وذات دلالات أبعد من الافتقار إلى المهنية وممارسة الكذب وإثارة الغرائز. وهي بقدر ما تقصي أورويل تستحضر أورتيغا غاسيت
ثمة ما هو أبعد، تختزله الدونكشوتية القطرية، في فرضية مفادها أن كل شيء مباح وممكن، إذ يمكن للإنسان أن يكون صديقاً لإسرائيل وحماس، ولأميركا وللقاعدة، وللأصوليين في مصر، وللبعث العلماني في سوريا، في وقت واحد
كل شيء ممكن ومباح: دفع خمسمائة مليون دولار نيابة عن فرنسا لإطلاق سراح الممرضات البلغاريات، تمويل حماس، التحضير لنوبل عربية تنافس نوبل السويدية، تحويل الدوحة إلى ملاذ للأصوليين، وعاصمة لألعاب أولمبية قادمة، وقاعدة أميركية قائمة، وممثلية إسرائيلية دائمة، وحتى مكاتب لجولياني عمدة نيويورك السابق، المتخصص في شن حملات ضارية ضد العرب والمسلمين، وإنشاء فروع لجامعات أميركية، تستضيف شيمون بيريز شخصياً، والدخول على خط الأزمة في فلسطين، واليمن، والسودان، والصومال. ناهيك، طبعاً، عن شغل البزنس، والعقارات في الشرق والغرب. وما المانع أن تُضاف إلى هذه الأشياء فضائية تحرّك الماء الراكد في المنطقة، وتضرب هنا أو هناك تحت الحزام
بالنسبة لبلد في حجم ومكانة قطر السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية، معظم ما سبق من أشياء يدخل في باب الكماليات، ولن يعتب عليها أحد إذا نأت بنفسها عن تسعة وتسعين بالمائة من مشاغلها الإقليمية والدولية، فلا هي كوبا، ولا الفاتيكان
ومع ذلك، لا يمثل النموذج القطري سوى حالة كاريكاتورية لسيادة أخلاق، وصفها أورتيغا غاسيت بعد الحرب العالمية الأولى، بأخلاق الممكن والمباح، وهي تشبه إلى حد بعيد ما نعيشه في الوقت الحاضر في نظر أميركا، وإسرائيل، والحكومات العربية، والحركات الأصولية، كل شيء مباح وممكن. فالأولى تقتل وتحتل باسم القانون الدولي أو ضده لا فرق. والثانية تقتل وتحتل حتى لو وقف العالم ضدها، لا فرق. والثالثة تقمع شعوباً مغلوبة على أمرها، بلا حسيب ولا رقيب. والرابعة لا تتوّرع عن قتل المدنيين في كل مكان بلا تأنيب من ضمير، أو شفقة على أبرياء، وتشعل حرباً أهلية في كل مكان تجد موطئ قدم فيه
6


لم تكن الأمور، دائماً، على هذا القدر من السيولة والبشاعة. هنا، أيضاً، في فلسطين الواقعة بين سندان الاحتلال ومطرقة الميليشيات، وفي كل مكان آخر، اختلطت الأشياء. بيد أننا قد نتمكن بفضل ملاحظتين لغاسيت- حول ما آل إليه الحال في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى- من تشخيص الواقع بأدوات جديدة على الأقل
الملاحظة الأولى: ما تملّك الناس بعد الحرب من إحساس مطلق بالحق لا يوازيه سوى الإحساس بانعدام المسؤولية والواجبات. والثانية: ما تجلى لديهم من كراهية لكل ما هو فوق المتوّسط بالمعنى الإنساني والسياسي والثقافي، سواء تمثل في أفكار أو أشخاص. فالعامة، على رأيه، تحب المساواة، وتبغض التفوّق
المثير في الأمر أن غاسيت كتب هذا الكلام قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بقليل، وأن تلك الحرب أصبحت ممكنة بفضل صعود أيديولوجيات تستجيب لما لدى الناس من إحساس مطلق بالحق، وتمكنهم من التعبير عن كراهيتهم لكل ما هو فوق المتوّسط بإنتاج وعبادة ثقافات وأفكار فقيرة وما دون المتوّسط
وهذا الأمر مثير بشكل خاص لأن أيديولوجيا الأصولية الإسلامية فقيرة وما دون المتوّسط بالمعنى الإنساني والسياسي والثقافي، ولأن جماهيرها تملك إحساساً مطلقاً بالحق في كل شيء، وتكره ما يخالفها أو يختلف عنها في كل شيء
يمكن لهذه الجماهير وأيديولوجيتها في زمن المُباح والممكن أن تكون جزءاً من الكماليات بحكم ما تدر من الأدرينالين، وما تخلق من إحساس متوّهم بالأكشن، دون الاهتمام بتناقضها مع غيرها من محتويات الخزانة الأميرية، أو الانتباه إلى الفرق بينها وبين كماليات مثل الألعاب الأولمبية، رغم أن الأولى تسهم في القتل وتحرّض عليه، والثانية بريئة. هذه أشياء قليلة الأهمية في نظر "الجزيرة" وأصحابها، ففي عالم
يشبه عالم ألدوس هوكسلي الجديد الشجاع، بعد انهيار الحواضر العربية، ومعها السياسة والمعايير، كل شيء مباح وممكن
.
.
.
.
المقالة لحسن خضر

20‏/10‏/2007

يوم عادي



لم ينتهي اليوم بعد , الساعة الأن هي العاشرة و النصف مساء, و أنا أستمع إلى كوكتيل أو كولاج موسيقي يتقطع من حين لأخر بسبب رداءة الإنترنت . اليوم كان عاديا جدا , لم أمت قبله , و لست متأكدا كم سأعيش بعده , لم أتغير , ما زلت كما أنا طفل حالم , و عجوز جبلته إخفاقات الحياة , لكنها لم تمنعه أن يعيد الكرة مرة أخرى و أخرى , لم تتحقق نبوءة العرافة : " لن تعيش أكثر من تسع و ثلاثين سنة يا فتى " , و لكنها قد تتحقق , فسكر الدم , و دهونه , و السمنة الزائدة , و القلق المزمن , و الحدة في الطباع في هذا الزمن المائع , و العامل الوراثي , و الموت الذي يسرح و يمرح في شوارع المدينة , كل هذه أسباب كافية لأموت بعد حين

لم أكتب قصتي , و لم أغير نفسي , و لم أتغير , لكن يبدو أن العمر والزمن يقتلان أشياء في ببطء , كذلك البطء الذي تسير به حياتي

عادي هو اليوم , إستيقاظ مبكر و حمام سريع و ذهاب إلى العمل بذقن محلوقة بعد صلاة سريعة , عمل رتيب أضفي عليه لمساتي الغير فنية , المشوهة كعادتها: طوشة صغيرة هنا و مشاحنة هادئة و غير مباشرة مع زميل في العمل هناك , و معارك بلا هدف ولا معنى إلا رغبة في الكمال , و بحثا في تفاصيل الحكاية و العدل و القيم الغائبة ؛ و إلا نتاج لرومانسية لا تغيب عنها الفظاظة ,و دموع ترقد على تخوم المقلتين , , و خوف على شيء يسمونه الضمير , و قلق يكاد أن يشلني , و حساسية في زمن البلادة , و أشياء لا تتسع لها سطور النص لكنها تستوطن روحي طوال الوقت ؛ أشتري بيجامة خريفية رخيصة مستوردة من " جمهورية الصين الشعبية" لصغيرتي من محل مجاور لمكان عملي , و أشتري الجريدة من المكتبة المقابلة له

أعود إلى البيت بعد أن أمر على مكان عملي السابق , الذي أنهيت خدماتي منه بسبب تغييبي عن العمل لما يزيد عن خمسة عشر يوماَ ,حسب ما تقول الأوراق الرسمية, أعود إلى البيت بقطايف , و بلحم يكفي حتى نهاية رمضان, و حمص, و عصير مركز يكفي لما قبل العيد, و كيلو طحين لقلي السمك, و فوط نسائية, و بيجامة خريفية للصغيرة , و الجريدة اليومية التي لم أعد أقرأ سوى عناوينها و إعلانتها؛ أعود إلى البيت حاملاَ أكياس مشترياتي , أمشى مسافة طويلة كالعادة في الطريق إلى موقف التاكسيات التي تذهب إلى بيتي؛ أدخل إلى البيت , تلاقيني زوجتي, و أقبل صغيرتي,أفتح الحاسوب و ألقي نظرة على العنكبوت " كما يسميها خطيب الجمعة" , أنظر إلى بريدي , الكثير من السبام و رسالة من صديقي الفرنسي الذي ينوي زيارة غزة بعد شهر من الأن ,أشاهد مقاطع من المسلسل المعاد ثم أذهب كالعادة إلى السرير لقضاء قيلولتي الطويلة, توقظني أمي على المحمول لتهنئني , و أعود إلى قيلولتي, أستيقظ قبل الإفطار بأقل من ساعة , ألاعب صغيرتي, و قبل أذان المغرب بقليل أصلى صلاة الظهر و العصر, يؤذن المؤذن لأتناول سمكا و جمبري و سلطة و أشرب من مذاب العصير المركز, لم أصلي المغرب و لا العشاء حتى الأن, أضع غلاية القهوة على البوتوجاز, و أحمل صغيرتي للخارج لشراء أربعة سجائر, تهلهل صغيرتي في الشارع , أعود لأشرب قهوة مع القطايف و تطفئ لي زوجتي شمعة , و تشاغب صغيرتي قليلا غير معنية بالأمر , تخرج زوجتي مع الصغيرة إلى بيت الجارة لتشرب الشاي بالنعناع, و ألوذ أنا إلى جهاز الحاسوب, تعودان بعد قليل لأعود إلى ملاعبة الصغيرة, أتركهما بعد قليل لألوذ إلى الجهاز مرة أخرى , و أبدأ بالكتابة

اليوم عادي جدا, لم يهديني أحد شيئا , حتى المكالمة التي توقعتها , كهدية, من المنظمة الدولية لشغل وظيفة في القدس لم تأتي. اليوم عادي جدا, ما زالت الحسرة تملأ قلبي و الحيرة تسلب عقلي , و ما زلت كما أنا عفويا, قلقا , متوترا, بليدا, طموحا, غبيا, فوضويا, فجا, أنانيا, مغرورا, حالما, محبطا, حادا, رخوا, غير مفهوما, مبهما, صلبا, هشا, واقعيا, طوباويا, مليئا بالمتناقضات

اليوم عادي جدا, غرفتي ما زالت غارقة في الفوضى , كتب و ورق على الأرض, وطاولة المكتب مفروشة بالكتب و الورق و الدفاتر و الأقلام , و الجرائد التي لا أتخلص منها بسهولة تملأ كل ركن من الغرفة بالرغم من الصندوق الضخم الذي أضع فيه الجرائد. بالغد سأخذ بعضا من هذه الجرائد لعاملة النظافة في مكان عملي لتضع عليها طعام الإفطار لأولادها

اليوم عادي جدا, لم يتغير شئ , فالأشجار التي تحيط بشقتي الواقعة في الدور الأرضي من العمارة لم أرويها منذ أكثر من شهرين

اليوم عادي جدا, و لكن لا أحد يعرف كم ستكون السنة عادية , فقد أختفي لينعونني عن 39 سنة , كما تنبأت العرافة الغجرية التي كانت تفترش أرض الشارع المزدهر بالرسامين و السواح في العاصمة التي فتحت أبواب قلاعها للريح القادمة من الغرب

اليوم عادي جدا, و ما علي في الساعة الأخيرة سوى أن أرتب غرفة المكتب , و أن أحضر الجرائد لعاملة النظافة

19‏/09‏/2007

غزة ... حرب















الصور لشريف سرحان


صبرا


صبرا – فتاة نائمة
رحل الرجال إلى الرحيل
و الحرب نامت ليلتين صغيرتين
و قدمت بيروت طاعتها و صارت عاصمة

ليل طويل
يرصد الأحلام في صبرا و صبرا –نائمة


صبرا بقايا الكف في جسد قتيل
ودعت فرسانها و زمانها
و استسلمت للنوم من تعب, و من عرب رموها خلفهم



صبرا- و ما ينسى الجنود الراحلون من الجليل
لا تشتري و تبيع إلا صمتها
من أجل ورد للضفيرة
صبرا-تغني نصفها المفقود بين البحر و الحرب الأخيرة
لم ترحلون
و تتركون نساءكم في بطن ليل من حديد ؟
لم ترحلون
و تعلقون مساءكم
فوق المخيم و النشيد؟

صبرا-تغطي صدرها العاري بأغنية الوداع
و تعد كفيها و تخطيء
حين لا تجد الذراع
كم مرة ستسافرون
وإلى متى ستسافرون
و لأي حلم؟
وإذا رجعتم ذات يوم
فلأي منفي ترجعون,
لأي منفي ترجعون ؟
صبرا –تمزق صدرها المكشوف
كم مرة
تتفتح الزهرة
كم مرة
ستسافر الثورة؟


صبرا-تخاف الليل . تسنده لركبتها
تغطيه بكحل عيونها. تبكي لتلهيه
رحلوا و ما قالوا
شيئا عن العودة
ذبلوا و ما مالوا
عن جمرة الوردة!
عادوا و ما عادوا
لبداية الرحلة
و العمر أولاد
هربوا من القبلة.

لا , ليس لي منفى
لأقول : لي وطن
الله, يازمن
صبرا –تنام . و خنجر الفاشي يصحو
صبرا تنادي .. من تنادي

كل هذا الليل لي, و الليل ملح
يقطع الفاشي ثدييها – يقل الليل

يرقص حول خنجره ويلعقه. يغني لإنتصار الأرز موالاَ
ويمحو
في هدوء .. في هدوء لحمها عن عظمها
و يمدد الأعضاء فوق الطاولة
و يواصل الفاشي رقصته و يضحك للعيون المائلة
و يجن في من فرح و صبرا لم تعد جسداَ

ركبها كما شاءت غرائزه, و تصنعها مشيئته
و يسرق خاتما من لحمها , و يعود من دمها إلى مرأته

ويكون –بحر
ويكون-بر
ويكون-غيم
ويكون-دم
ويكون-ليل
ويكون-قتل
ويكون-سبت
وتكون-صبرا

صبرا تقاطع شارعين على جسد
صبرا-نزول الروح في حجر
و صبرا- لا أحد


صبرا-هوية عصرنا حتى الأبد




13‏/09‏/2007

كل عام و أنتم بخير

في غزة إتفق الفريقان علي الصيام اليوم لكن فريق "دايتون" أعلن إنتهاء التوقيت الصيفي إبتداء من الأول من رمضان , أما فريق " القوة التنفيذية" فأعلن أن الساعات ستعود إلى الوراء في اليوم الثاني من رمضان . لقد نجا رمضان من المماحكات السياسية , لكن الساعة وقعت في الفخ

12‏/09‏/2007

عن العنف الثوري




أعذروني على إختيار هذه الصور التي لا أتذكر مصدرها , و ملتقطها الذي يبدومن الصور أنه غزي الهوى و الهوية